كتب ايلي الفرزلي في صحيفة "السفير":
"عندما يخفت الكلام فهذا يعني أن وقت العمل قد حان". هكذا يصف متابع "لموجة التصاريح المتعلقة بتمويل المحكمة الخاصة بلبنان" ما يجري حالياً. بهذا المعنى فإن الموقف الصريح للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله برفضه تمويل المحكمة كان خاتمة المواقف المعلنة التي من بعدها بدأ العمل الهادئ لإنضاج التسوية المنشودة.
كلٌ قرأ الخطاب من الزاوية التي تعنيه. بعضهم سمع "السيد" يحسم مسألة التمويل مؤكداً أن الأمر غير قابل للنقاش، فيما اطمأن آخرون إلى أن الخطاب "ترك الباب موارباً" لإيجاد مخرج داخل مجلس الوزراء.
الأهم بالنسبة لميقاتي هو أن الموضوع سحب من التداول الإعلامي، بعدما أعلن كل طرف من الأطراف المعنية موقفه، وأولهم ميقاتي الذي اضطر إلى إعلان موقفه من نيويورك. وأكد حينها احترام لبنان التزاماته الدولية "لأنه لا يمكن أن نكون انتقائيين في احترام القرارات الدولية". وهو عملياً كان الموقف الأخير له حول الموضوع، مفضلاً تركه للاتصالات الهادئة البعيدة عن الأضواء.
وعلى الرغم من محاولة نصر الله بث الطمأنينة في نفس ميقاتي، عبر إبعاده عن تحمل مسؤولية أي قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الوزراء برفض التمويل، إلا أن مصادر رئيس الحكومة تشدّد على أنه لا يمكنه أن يكون عائقاً في وجه المحكمة أو مشاركاً في كل ما يعيق عملها.
يعتمد ميقاتي في سعيه إلى إقناع الأطراف الحكومية بالتمويل إلى أن لبنان لا يمكنه التعامل بانتقائية مع القرارات الدولية بحيث يطالب بتنفيذ القرار 1701 من جهة ويرفض القرار 1757 من جهة أخرى.
وتتوجّه هذه الأوساط في حديثها إلى معارضي المحكمة بالقول "إن أي حديث عن تعديل البروتوكول لا يستوي من دون أن يفي لبنان بالتزاماته بشأنها أولاً".
وتستكمل هذه الأوساط تحذيرها من تخلي لبنان عن التزاماته، بالتوجه مباشرة إلى "حزب الله" عبر التأكيد أن عدم التمويل لا يلحق الضرر بلبنان فحسب بل بالمقاومة أيضاً، على اعتبار أن تسويق لبنان المقاوم في المحافل الدولية يعتمد بشكل رئيسي على عدم تطبيق إسرائيل للقرارات الأممية، وبالتالي فعندما نتخلى نحن عن التزاماتنا نكون كمن يفتح على نفسه أبواباً لا مصلحة له بفتحها.
خلاصة القول بالنسبة لميقاتي هي إقفال الملف إعلامياً مقابل البدء بإجراء الاتصالات لمعالجة الموضوع وإيجاد الحلّ أو ربما التسوية المناسبة، التي كان النائب وليد جنبلاط أول من دعا إليها. وعليه، فإن رئيس الحكومة لا يبدو مستعجلاً طرح الموضوع على مجلس الوزراء قبل الانتهاء من إجراء هذه الاتصالات.
وتبدي هذه الأوساط ثقتها في قدرة ميقاتي على إقناع معارضي التمويل بأنه مصلحة للجميع من دون استثناء.
ثمة من يرى، في المقابل، أن ميقاتي واثق من أن التمويل سيمرّ في مجلس الوزراء بغض النظر عن المواقف المعلنة، وهؤلاء يرون أن مصدر ثقة ميقاتي يتمثل في أنه يعرف أن "حزب الله" إذا ما خُيّر بين الحكومة والمحكمة سيختار الحكومة حكماً، لا سيما أنه يعرف أن التمويل أو عدمه لن يؤثر على سير "العدالة الدولية".
في تلك المعادلة لا تبدو الأوضاع في سوريا بعيدة عن حسابات الأطراف، وربما يستغلها ميقاتي إلى أقصى الحدود لتليين المواقف المعارضة.