أصدرت الغرفة الادارية في مجلس شورى الدولة برئاسة القاضي شكري صادر وعضوية المستشارين زياد شبيب وريتا كرم القزي، قرارا قضى بعدم الموافقة على مشروع المرسوم الرامي الى تعيين الحد الادنى الرسمي لاجور المستخدمين والعمال الخاضعين لقانون العمل ونسبة غلاء المعيشة وكيفية تطبيقها.
وأشار القرار الى "أن إعادة النظر في الحد الادنى الرسمي للاجور يجب ان تتم قانونا بصورة سنوية على الاقل، وذلك تطبيقا لنص الاتفاقية العربية رقم 15 لسنة 1983 بشأن تحديد الاجور وحمايته". وأخذ على المرسوم أنه يستثني فئة العمال والمستخدمين الذين تزيد أجورهم الشهرية على مليون وثمانمئة الف ليرة من أي زيادة، "في حين أن غلاء المعيشة هو مسألة واقعية يفترض أنها تطال جميع المستخدمين".
ولفت الى أن إعطاء الزيادة بالشكل المقترح، "يخالف التفويض المعطى من المشترع بموجب المادة 6 من قانون 1967 لاسباب عدة، منها أنه يعطي زيادة على الاجور محددة بمبلغ معين من المال، في حين أن المقصود بالمادة 6 هو تحديد نسبة غلاء المعيشة وتحديد كيفية تطبيقها".
ولاحظ أن "النسبة المئوية من الراتب، التي وصفت بأنها متحركة في النص المقترح، تؤدي الى زيادة ثابتة على الأجور (مئتا ألف أو ثلاثمئة الف ليرة) وهذا يتناقض مع طبيعة النسبة المئوية".
وذكر بأن "تدخل السلطة التنفيذية لتحديد أو تعديل بدل النقل اليومي للمستخدمين والمنح المدرسية عن أولادهم، يخرج عن نطاق التفويض المعطى لها من المشترع بموجب المادة 6 من القانون رقم 36/67".
وجاء في قرار مجلس الشورى:
"إن مجلس شورى الدولة – الغرفة الإدارية، بعد الاطلاع على كتاب وزير العمل رقم 2630/3 تاريخ 21/10/2011 المتضمن طلب إبداء الرأي بشأن مشروع المرسوم الرامي الى تعيين الحد الادنى الرسمي لاجور المستخدمين والعمال الخاضعين لقانون العمل ونسبة غلاء المعيشة وكيفية تطبيقها،
وبعد الاطلاع على مشروع المرسوم، وبعد الإطلاع على تقرير المستشار المقرر، وبعد المذاكرة حسب الأصول،
يبدي ما يلي:
يعالج مشروع المرسوم موضوعا يتعلق بحقوق المستخدمين والعمال (الاجور وزياداتها وبدلات النقل…) وهو موضوع يدخل بطبيعته في اطار العلاقة التعاقدية التي تجمع العامل برب العمل. وهذه العلاقة تخضع أساسا لمبدأ حرية التعاقد الذي يعبر عنه بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
وحرية التعاقد هي أحد أوجه النظام الاقتصادي الحر الذي نص عليه الدستور في مقدمته الفقرة (و) حيث اعتبر ان النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة.
غير أن المشترع شاء التدخل في هذه العلاقة التعاقدية بالنظر الى أهميتها والى كونها تمس الأمان الاجتماعي، حيث نص في المادة 44 من قانون العمل على مواصفات الأجر الذي يجب ان يكون كافيا لسد حاجات الأجير الضرورية وحاجات عائلته وألا يقل عن الحد الادنى الرسمي.
وقد أتى تدخل المشترع تطبيقا لمتطلبات القانون الدولي المتمثل بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة ولا سيما اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تحديد الحد الادنى للاجور لسنة 1970 المبرمة بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 70 تاريخ 25/6/1977.
وحيث ان تدخل المشترع في هذه المسألة اقترن بتفويضه السلطة التنفيذية أن تتولى تحديد الحد الادنى الرسمي للاجور ونسبة غلاء المعيشة وكيفية تطبيقها وذلك عند الاقتضاء وكلما دعت الحاجة (المادة 6 من القانون رقم 36/67 تاريخ 16/5/1967). على ان يتم ذلك بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على الدراسات وجداول تقلبات اسعار كلفة المعيشة.
وحيث يقتضي التأكيد أن التدخل المشار اليه ولكونه يشكل استثناء من مبدأ حرية التعاقد فهو يدخل في نطاق اختصاص السلطة التشريعية، وانه يعود للمشترع وحده بحسب الدستور أن ينظم ممارسة الحريات والحقوق وان يحد منها. وأن تفويض السلطة التنفيذية بذلك يبقى أمرا استثنائيا يجب التعاطي معه على هذا الاساس وعدم التوسع في تفسيره، وبالتالي يجب ان يعطى النص القانوني المتضمن تفويضا مماثلا، أي نص المادة 6 من القانون رقم 36/67، المعنى الحصري العائد له دون اي توسع أو قياس أو تأويل.
وحيث يقتضي اضافة الى ما تقدم، الاشارة الى ان تحديد الاجور يتم في الاصل بطريقة التفاوض الجماعي، وهذا التفاوض يعتبر من الحريات التي يجب عدم تعطيلها. وتأكيدا لذلك نصت المادة الثانية من اتفاقية منظمة العمل الدولية المشار اليها أعلاه على وجوب احترام حرية التفاوض الجماعي احتراما تاما مع مراعاة الحد الادنى للاجور الذي لا يجوز ان يكون قابلا للتخفيض.
Article 2 :
1-Les salaires minima auront force de loi et ne pourront pas être abaissés; leur non – application entraînera l'application de sanctions appropriées, pénales ou autres, à l'encontre de la personne ou des personnes responsables.
2- Sous réserve des dispositions du paragraphe 1 ci-dessus, la liberté de négociation collective devra être pleinement respectée.
حيث في ضوء ما تقدم، يقتضي ابداء ما يلي:
– في البناءات:
– يقتضي اعادة النظر في بناءات مشروع المرسوم بما يتفق مع الملاحظات التي سترد أدناه، ولا سيما إجراء ما يلي:
– حذف عبارة "والفقرتان (و) و (ز) من المادة 50 منه، من الحيثية الثانية.
– تصحيح الحيثية المتعلقة بالاتفاقية العربية رقم 15 لسنة 1983 بشأن تحديد وحماية الاجور.
– حذف الحيثيتين المتعلقتين ببدل النقل اليومي وبالمنحة المدرسية.
– إضافة حيثية تتعلق باقتراح وزير العمل، تأتي مباشرة قبل تلك المتعلقة باستشارة هذا المجلس.
– اضافة رقم وتاريخ الرأي الحاضر الى الحيثية المتعلقة باستشارة هذا المجلس.
– اضافة تاريخ جلسة مجلس الوزراء المقبلة التي سيعرض فيها مشروع المرسوم.
– ملاحظات عامة
– إن الملف يخلو من الدراسات وجداول تقلبات الاسعار التي يجب أن يستند اليها مرسوم كالمرسوم المقترح بحسب المادة 6 من القانون رقم 36/67. وإن اغفال الاستناد الى هذه الدراسات يجعل المرسوم، في حال صدوره، متخذا دون مراعاة الاجراءات الجوهرية. formalités substantielles.
– إن إعادة النظر في الحد الادنى الرسمي للاجور يجب ان تتم قانونا بصورة سنوية على الاقل وذلك تطبيقا لنص الاتفاقية العربية رقم 15 لسنة 1983 بشأن تحديد الاجور وحمايتها، التي أبرمت بموجب القانون رقم 183 تاريخ 24/5/2000، والتي أوجبت (في المادة 20 منها) أن تتم مراجعة الحد الادنى للأجور دوريا لفترات لا تزيد على سنة وذلك لتواكب الاجور الحقيقية مستوى تكاليف المعيشة.
– في مواد مشروع المرسوم:
1- في المادة الاولى:
– تعيد هذه المادة تاريخ نفاذ الحد الادنى الرسمي للاجر الشهري الجاري تعديله الى تاريخ 1/10/2011 أي الى تاريخ سابق لتاريخ نفاذ المرسوم عند صدوره. وان هذا النص يتضمن مفعولا رجعيا استقر رأي واجتهاد هذا المجلس على عدم الأخذ به لمخالفته مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.
– تخلط المادة الاولى بين الحد الادنى الرسمي للاجر الشهري، الذي يجب أن يكون مبلغا معينا من المال، من جهة، ونسبة غلاء المعيشة التي تكون على شكل نسبة مئوية، من جهة أخرى.
فقد أضيفت الى نهاية هذه المادة العبارة التالية:
"…أي بنسبة أربعين في المئة على الجزء الاول من الراتب"، مما يوحي أن ما تقرره الحكومة بموجب المادة الاولى تحديدا، هو منح من يقل دخلهم عن السبعمئة ألف ليرة لبنانية زيادة تصل الى حد هذا المبلغ، ومنح جميع الاجراء الآخرين زيادة تبلغ مئتي ألف ليرة، باعتبار ان الجزء الاول من الراتب هو الخمسمئة الف ليرة وأن الاربعين في المئة منها هو مئتا الف ليرة.
وحيث ان العبارة المذكورة في آخر المادة الاولى لا يمكن تفسيرها إلا على النحو المبين أعلا،. وهي بالتالي تخرج عن إطار رفع الحد الادنى للاجور ويقتضي أن يكون موقعها خارج نطاق هذه المادة.
2- في المادة الثانية:
– إن النسبة المئوية من الراتب، التي وصفت بأنها "متحركة" في النص المقترح، تؤدي الى زيادة ثابتة على الأجور (مئتا ألف أو ثلاثمئة الف ليرة) وهذا يتناقض مع طبيعة النسبة المئوية، التي يفترض ان تكون ثابتة لكي تؤدي الى مبالغ متحركة تبعا لمبلغ الأجر الحاصل على الزيادة.
– إن المشترع أعطى الحكومة في المادة 6 من القانون رقم 36/67 ان تحدد نسبة غلاء المعيشة وكيفية تطبيقها، وهذه النسبة يجب ان تحدد بصورة موضوعية ومجردة ومحققة للعدالة الاجتماعية.
وقد جرى تطبيق هذا المبدأ بموجب مواد القانون رقم 36/67 نفسه، حيث جاء في المادة 3 منه النص على اضافة زيادة غلاء معيشة الى الاجور بنسبة مئوية معينة (3,85 في المئة) وتم تحديد حد أدنى وحد أقصى للزيادة الناتجة من هذه النسبة المئوية المضافة.
كما جرى تطبيق هذا المبدأ في المراسيم اللاحقة التي صدرت تطبيقا للمادة 6 المذكورة، وبصورة متوافقة مع هذه المادة ولاسيما بموجب المرسوم رقم 8733 تاريخ 8/7/1996 حيث أضيفت الى أساس الأجر زيادة غلاء معيشة وزعت على شطور الأجر.
وحيث ان إعطاء الزيادة بالشكل المقترح في المادة الثانية المذكورة، يخالف التفويض المعطى من المشترع بموجب المادة 6 من قانون 1967 لاسباب عدة هي:
أولا: لأنه يعطي زيادة على الاجور محددة بمبلغ معين من المال، في حين أن المقصود بالمادة 6 هو تحديد نسبة غلاء المعيشة وتحديد كيفية تطبيقها.
ثانيا: لأنه يستثني فئة من العمال والمستخدمين الذين تزيد أجورهم الشهرية على مليون وثمانمئة الف ليرة، من أي زيادة، في حين أن غلاء المعيشة هو مسألة واقعية يفترض أنها تطال جميع المستخدمين والعمال، مع الاخذ في الاعتبار طبعا أن الحاجة الى الزيادة لا تكون نفسها بالنسبة الى الجميع، ويمكن ان تعطى بطريقة تحقق قدر الامكان العدالة الاجتماعية.
ثالثا: لأن الزيادة على غلاء المعيشة المقترح اضافتها في المادة الثانية من مشروع المرسوم تقضي بتقسيم الاجراء الى فئات بحسب حجم أجورهم، بدلا من تجزئة الاجور نفسها الى شطور كما فعل المرسوم رقم 8733/1996، مما يجعل الزيادة فاقدة لصفة الموضوعية والتجرد ومتناقضة مع مبدأ المساواة بين المواطنين المكرس في الدستور ومع العدالة الاجتماعية التي نصت عليها مقدمة الدستور.
في المادة الثالثة:
يقتضي الاشارة الى ان الزيادات الممنوحة بموجب عقود العمل الجماعية لا يمكن اقصاؤها من الاحتساب اذا كانت قد منحت صراحة بسبب غلاء المعيشة.
في المادة الرابعة:
إن هذه المادة في غير محلها للاسباب التالية:
– لأن حق صاحب العمل في إنهاء عقود العمل الجارية في مؤسسته وفقا لاحكام قانون العمل مشروط أصلا باتباع الاجراءات المحددة في الفقرتين (و) و (ز) من المادة 50 من القانون المذكور. وإن التشديد على المنع بالطريقة التي وردت في السطرين الاولين من المادة الرابعة المقترحة، هو من باب لزوم ما لا يلزم.
– لأن وقف الصرف حتى انتهاء المشاورات ووضع البرامج النهائية المنصوص عليهما في الفقرتين (و) و (ز) من المادة 50، يخالف أحكام هذه المادة ويضيف الى هذه الاحكام قيدا لم يشأ المشترع أن يقيد أصحاب العمل به.
في المادتين الخامسة والسابعة:
إن تدخل السلطة التنفيذية لاجل تحديد أو تعديل بدل النقل اليومي للمستخدمين والمنح المدرسية عن أولادهم، يخرج عن نطاق التفويض المعطى لها من المشترع بموجب المادة 6 من القانون رقم 36/67. ويدخل في نطاق ممارسة حرية التفاوض الجماعي La liberté de négociation collective التي كفلتها اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تحديد الحد الادنى للاجور لسنة 1970، كما يدخل ايضا في إطار ممارسة حرية التعاقد التي كفلها الدستور. ويقتضي بالتالي حذف هاتين المادتين من مشروع المرسوم المقترح لفقدانهما اي سند قانوني يبررهما، لذلك يرى عدم الموافقة على مشروع المرسوم المقترح".