#dfp #adsense

للحكومة خيار الاختناق أو الانبعاث

حجم الخط

هنالك بضعة مؤشرات واعدة بدأت تظهر خلال شهري ايلول وتشرين الاول، ويمكن تلخيص بعضها على الشكل الآتي:
– اقبال من جديد على الاستثمار في مشاريع عقارية ملحوظة في بيروت وخارجها، من لبنانيين ناجحين في الخارج كما من أثرياء عرب.

– زيادة في حركة السياحة واقبال على فنادق الدرجة الاولى في بيروت كما على المطاعم والملاهي.
– اهتمام مؤسسي اوروبي بالاستثمار في القطاع المصرفي وتفحص من اثرياء عرب لفرص الاستثمار في الاسهم والادوات المالية في السوق اللبنانية.

– تحقيق لبنان مستويات من جاذبية الاستثمار في سنداته الحكومية يفوق ما تحقق للحكومة الايطالية كما الحكومة الاسبانية وبالطبع الحكومة اليونانية.
– اهتمام من شركات اختصاصية من جنسيات مختلفة بفرص التنقيب والبحث عن الغاز والنفط في المياه الاقليمية وعلى اليابسة في لبنان.

في مقابل هذه التوجهات تتبنى الحكومة منهجية سياسية اقتصادية تناقض امكانات الاستفادة من المؤشرات الجديدة التي تبدت خلال الشهرين المنصرمين، وربما كان ضيق نظر الحكومة مرتبطاً بادراك كون سنة 2011 التي تنقضي بعد شهرين لن تشهد نمواً حقيقياً ملحوظاً يتجاوز الـ2 في المئة، بل هي شهدت تأزماً في العلاقات بين العمال وارباب العمل، ودفعاً للحكومة نحو الخوض في موضوع الاجور على شكل يتنافى وضرورات الانتاجية والمحافظة على القدرة التنافسية.

وحيث ان ثمة نفساً ديماغوجياً في الحكومة يؤمن اصحابه بان الدولة على حق، وصاحبة امتياز فرض شروط العمل على الافراد والمؤسسات، رأينا الحكومة تتجه الى رفع الضرائب على فوائد الودائع، الأمر الذي يخالف حاجات البلد لاستقطاب الأموال، حفاظاً على فوائض ميزان المدفوعات، وتأميناً لسهولة تمويل المشاريع الخ. ورأينا الحكومة تقترح فرض ضريبة على أرباح التجارة بالاسهم، في حين ان سوق الاسهم كانت ولا تزال ضعيفة بالمقارنة مع حجم الثروات والودائع في البلد، وما دامت السوق ضحلة فسيظل النشاط محدوداً.

في المقابل، صدر قانون تنظيم الاسواق المالية ومنطلقه تحفيز الاستثمار في الاسهم، وتسهيل انشاء الشركات وتأمين رؤوس الأموال لتأسيس الشركات عن سبيل حوافز ضريبية أحياناً. وفي كلمته الأخيرة عن الأوضاع المالية والنقدية شدّد حاكم مصرف لبنان على ضرورة تحفيز السوق المالي، واشراك القطاع الخاص في ملكية السوق، وتالياً في ادارته.

هنالك في الواقع تمايز بين منهجية مصرف لبنان وتوجهاته ومنهجية وزارة المال وتوجهاتها. ويبدو من اقتراحات الضرائب الجديدة في الموازنة ان القصد هو تأمين موارد من اجل ضبط العجز في الموازنة ضمن نسبة 30 في المئة ولو كان ذلك على حساب النمو.

اننا نرى ان وزارة المال على خطأ كبير في توجهاتها وهنالك ضيق نظر في توقع نتائج اقرار الموازنة المقترحة، وهنالك اهمال لواجبات تفحص ضبط الهدر او التمييز في الانفاق العام بين الفئات، وهنالك اهمال لواجبات تفحص الامكانات المتاحة للقطاع العام لتحسين فاعلية استخدام املاك الدولة.

من المؤكد ان تحسين استخدام الاملاك العامة يستوجب وقتاً وتشريعات، وقد اقدمت الحكومة الفرنسية على هذا الامر عام 2005 عندما انشأت هيئة مستقلة مهمتها الاساسية انجاز جردة بالاملاك العامة وأوضاعها، ومن ثم وضع خطة لاستثمارها عن سبيل البيع، او التطوير، او المشاركة مع البلديات في مشاريع اجتماعية وتعليمية نافعة.

في لبنان الحكومة تهدر 282 مليون دولار على دعم سائقي السيارات العمومية البالغ عددهم 35000، أي انها توفر لكل سائق عبر منافع الضمان الصحي والتعويضات العائلية في صندوق الضمان الاجتماعي وردّيات البنزين ما يساوي 8000 دولار سنوياً، وهذا المبلغ يضاهي مستوى الدخل السنوي المطلوب لكفاية حاجات عائلة من خمسة افراد، او يقل عنه بقليل.

لقد أكدنا امكان تحقيق وفورات في فاتورة الكهرباء على مستوى 600-700 مليون دولار اذا شغلنا مولدات مستوردة على لقيم الغاز السائل، وأشرنا الى امكان تحقيق هذه النتيجة بالتنسيق والتعاون مع قطر التي اصبحت الدولة الاولى عالمياً على صعيد انتاج الغاز الطبيعي السائل وتصديره.

لو كانت لدى الحكومة مخيلة خلاقة لأوقفت دعم السائقين العموميين، واستوردت مولدات الكهرباء العائمة ذات اللقيم من الغاز السائل الذي يساهم في التوفير في الكلفة، واقدمت على فتح مجال عقود التنقيب عن النفط والغاز والتي تؤمّن مدفوعات مسبقة للحصول على حقوق التنقيب. واضافة الى كل ذلك، كانت الحكومة تشجع على استقطاب الاموال، بالغاء اي ضريبة على فوائد الودائع، وتشجيع انشاء السوق المالي وتنشيطه.

ان سياسات من النوع المشار اليه، والمنسية لدى هذه الحكومة، تؤدي في حال اقرارها وتنفيذها بوتيرة متسارعة الى زيادة معدل نمو الاقتصاد بنسبة 2-3 في المئة، أي ما يساوي 1200 مليون دولار يتحصل منه بصورة تلقائية 300 مليون دولار من الواردات الضريبية بموجب القوانين المعمول بها حالياً.

وتكون النتيجة على صعيد الوطن ككل تحسناً في فرص العمل، وامتصاصاً أفضل لزيادات الاجور التي يتم الاتفاق النهائي عليها، وتضييقاً لهامش العجز في الموازنة، وتأمين موارد اضافية لحسابات الموازنة تساوي:
– 280 مليون دولار وفراً من برنامج دعم السائقين العموميين.
– 700 مليون دولار وفراً على حساب دعم الكهرباء.
– 300 مليون دولار زيادة في الواردات الضريبية مع تحسن معدل النمو.
المجموع: 1280 مليون دولار يمكن ان تتحصل للدولة ولم نحتسب فيها ما قد نحصله من مدفوعات للحصول على عقود التنقيب عن النفط والغاز.
استناداً الى منطق التحليل المعروض، هل يجوز للحكومة الاستمرار في اقرار سياسات مضرّة بالاقتصاد والمواطن وكأنها معمية عن المصلحة العامة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل