#dfp #adsense

رسالة اعتذار من القاضي أنطونيو كاسيزي…

حجم الخط

إثر صدور قرار الاتهام ومذكرات التوقيف في جريمة اغتيال الرئيس الشـهيد رفيق الحريري ورفاقه الأبرار، كتب القاضي أنطونيو كاسيزي في The New York Times أن هذا الوقت مصيري بالنسبة الى الشعب اللبناني ودولته وبالنسبة الى العدالة الدولية. وتابع: وهو كذلك وقت مصيري بالنسبة الى المنطقة. فالحوادث الأخيرة في البلاد العربية، ويقصد بذلك حوادث الربيع العربي، تُظهر أنّ الرغبة في العدالة وإعلاء شأن الكرامة الإنسانية هما مطلبٌ عالمي.

وفي مقالته عينها، وبتواضع العلماء الذي يتميّز به، اعتذر القاضي كاسيزي، من الشعب اللبناني، ولا سيما من أهالي الضحايا، عن طول الإجراءات وتأخرها أحياناً، وشكرهم على صبرهم. وقال إن العدالة بطيئة، ولكن الجرائم المرتكبة معقّدة وخطيرة، وتستلزم إجراءات تحقيق دقيقة وعادلة وغير منحازة.

هذا القاضي النزيه، الذي اعتذر منا نحن اللبنانيين، لا بدّ لنا بدورنا من أن نعتذر منه بالنيابة عن كل من أساؤوا إليه بانتقاداتهم وتجنيهم وإمعانهم في توجيه الاتهامات له، ولا سيما الأخيرة منها، بينما وفي المقابل ظلّ هو صامتاً يصارع المرض العُضال، شاعراً بدنو الأجل. وبالتأكيد كم هو جدير بنا أن نطلب منه مسامحتهم، ليس لأنهم "لا يعرفون ماذا يفعلون"، بل لأنهم يعرفون ماذا يفعلون، اذ لم يكلفوا أنفسهم عناء التعرف الى من يكون هذا القاضي النزيه والمتجرد أنطونيو كاسيزي.

انطونيو كاسيزي، ذلك الإنسان العالِم، الذي نذر نفسه ليلبس الرداء الذي أصبح له كفناً يقابل فيه وجه ربٍّ كريم، لأنه كان يؤمن بأن المهابة التي تتلبَّسُ الماثلين أمامه باعتباره قاضياً لا تعادل شيئاً من المهابة التي ستتلبَّسهُ لحظة مثوله في حضرة الحق.

أهم صفاته ما أضفاه هو على عمله من علم وحكمة وعمق وعزم ووقار، وأعظم تلك الصفات أيضاً تواضعه وسخاؤه في عدم انحيازه إلاّ للحق، وكأنه النهر الذي ينشر الربيع على ضفافه من غير أن يسأل الضفتين: ماذا قدم لهما؟
تعرّض القاضي كاسيزي للكثير الكثير من الاتهامات والتجريح ومحاولات النيل منه، إلاّ أن من أراد تشويه صورته والقول عن غير وجه حق انه إسرائيلي الهوى فاته أن كاسيزي كان حريصاً على أن ينحاز فقط إلى صفة القاضي النزيه الذي يبحث عن العدل. فهو في هذه المسألة بالتحديد كان دائماً يكرر وجهة نظره القائلة بأن احتلال إسرائيل للقدس لا يمنح إسرائيل سنداً قانونياً لتملّك هذه الأراضي، استناداً إلى القانون الدولي الذي يمنع في شكل عام الحصول على مكاسب سياسية أو سيادية من خلال احتلال عسكري.

ويعتبر في الوقت إياه أن مجرّد السكوت لا يمكن أن يعتبر موافقة من الأمم المتحدة على سيادة إسرائيل لمجرد سيطرتها الواقعية على القدس.
لقد تمتع القاضي كاسيزي بثقافة علمية قانونية دولية، وكان له الكثير من المؤلفات والمقالات في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. فهو الذي وضع كتاب "القانون الدولي والقانون الجنائي الدولي" الذي نشرته جامعة أوكسفورد، وهو الذي شارك في تأسيس المجلة الأوروبية للقانون الدولي ونشرها (European Journal of International Law). وأسس مجلة القانون الجنائي الدولي ونشرها (Journal of International Criminal Justice).

واعترافاً بدوره وعطاءاته منح عام 2002 جائزة "المساهمة المميّزة في حماية حقوق الإنسان في أوروبا والعالم"، وذلك من Académie Universelle des Cultures, التي يترأسها Nobel Peace Laureate Elie Wiesel.
كذلك منح في 13 تشرين الثاني 2009 جائزة Erasmus لخدماته في مجال القانون الدولي.

كان القاضي كاسيزي أول رئيس للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، وهو الذي قرّر، في حكم أصدرته محكمة استئناف يوغوسلافيا السابقة التي كان يرأسها، أنه يعود إلى المحكمة اختصاص النظر في اختصاصها للنظر في ما إذا كان مجلس الأمن مختصاً وله صلاحية إنشاء المحاكم الجنائية الخاصة.

واعتبرت المحكمة التي يرأسها كاسيزي، في اجتهاد عُرِف باسم "اجتهاد كاسيزي"، أن مجلس الأمن يملك صلاحية إنشاء هذه المحاكم الجنائية الدولية الخاصة وفقاً للمادة 41 من الباب السابع. واعتبرت المحكمة التي يرأسها في حكمها أن هذه المادة تُعدِّد التدابير (العقوبات التي لا تتطلب استخدام القوة) وهي الواردة في المادة 41، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

كرّس اجتهاد كاسيزي بذلك شرعية قرارات مجلس الأمن في إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة في حكم يوغوسلافيا، وهذا الاجتهاد أصبح قدوة يحتذى بها. فالدفع بعدم الاختصاص وعدم صلاحية مجلس الأمن واختصاصه عادا ليطرحا مرة ثانية في محكمة رواندا. الآن محكمة رواندا تبنت اجتهاد كاسيزي، واعتبرت أن مجلس الأمن يملك هذا الاختصاص وفقاً للمادة 41 من الباب السابع، وتألفت محاكم عدة عقب ذلك وبقي اجتهاد كاسيزي هو السائد، ولم تطرح هذه المسألة في المحاكمات بعد ذلك.

وُجهت الى القاضي كاسيزي اتهامات بأنه قاض مسيّس، فيما دلّت النتائج التي تمخّضت عنها مواقفه في غير قضية ومناسبة الى أنه لم يعمل إلاّ وفقاً لمنطق من يتوخى العدالة. ولذا ظلّ رافضاً الخضوع لمنطق التسييس، والدليل على ذلك موقفه ذو الدلالة في قضية دارفور، إذ إنه، وفي العام 2004، عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان رئيساً للجنة التحقيق الدولية لدارفور (عُيّن بعدها أيضاً خبيراً مستقلاً للنظر في الكفاءة القضائية للمحكمة الخاصة بسيراليون). وكان على لجنة التحقيق الدولية لدارفور أن تقرر ما إذا كانت قد ارتكبت حينذاك جرائم إبادة جماعية، وبالتالي أن تحقق في الانتهاكات المحتملة لحقوق الإنسان في دارفور.

وفي 25 كانون الثاني 2005، قدّمت هذه اللجنة التي يرأسها القاضي كاسيزي تقريرها، مؤكدة حصول جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إنما لم تحصل إبادة جماعية على يد حكومة السودان. هذه النتيجة التي توصلت إليها اللجنة تتعارض والمواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة آنذاك، والتي اعتبرت أعمال حكومة السودان في دارفور أعمال إبادة جماعية. وهذا برهان ساطع آخر على حيادية القاضي كاسيزي وعدم تأثره بأي ضغوط من هنا أو هناك.

وأخيراً، من منا لم تأخذه تلك السلاسة والصرامة المدهشة في شباط الماضي عندما عرّف القاضي كاسيزي الإرهاب، ليرتفع به إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتهريب المخدرات وتبييض الأموال؟ كذلك عندما بلور قاعدةً قانونيةً متطورةً مفادُها أنّ لجوء أي كان إلى الإرهاب لفرض إرادته على الآخر يخوّل أي دولة أو أي شخص دولي حق ملاحقة المخلّ، فكأنه كان بذلك يبنى أواني مستطرقة (متصلة) للإنسانية جمعاء لكي تتواصل وتتكاتف في مواجهة من يمكن أن يستسهل تحقيق أهدافه بواسطة الأعمال الإرهابية.

هذا غيض من فيض لرجل جعل العلم والحقيقة ضالته، ومارس التزامه الصارم بمعايير النزاهة والشفافية حتى الثمالة، وحرص على أن تكون القواعد الأخلاقية بمعناها الشامل الحدود التي حرص على التقيد بها.

تعرّض القاضي أنطونيو كاسيزي للافتراء وجرى إلحاق الأذى والظلم به من البعض الذين يدركون ماذا يفعلون. لكن، وبالرغم من ذلك، فإنّ هذا الظلم لم ينل من علمه ولا من موضوعيته ولا من نزاهته وتجرده وإنسانيته. وعلى ذلك فإنني، ومعي كذلك الكثيرون من الحريصين على التزام مبدأ العدالة وأهمية الاستمرار في العمل على بلوغها، أسألك يا سيدي القاضي أن تسمح لي بأن أكرر، باسم كل أولئك الذين ينحنون أمام نزاهتك وعلمك الغزير، التعبير عن التقدير والعرفان للإنجاز الأخير الذي حقَّقتَهُ في حياتك الحافلة بالإنجازات: لقد ساعدْتَنا، نحن اللبنانيين، على الانتصاف من أنفُسنا وأهوائنا، وأيقظتَ فينا الآمالَ في أن يعودَ لبنان كما كان آمِناً مطمئناً وحراً وسيّداً، تسوده العدالة، وسلطة الدولة الواحدة، وتنتصر فيه قيم الكرامة والحرية والديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهي القيم التي يؤمل لها أن تزدهر اليومَ في كل مكانٍ في آفاق الربيع العربي.
سيدي القاضي، بناء على ذلك، أسألك أن تتقبل منا عذرنا وان تقبل اعتذارنا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل