ذكرت صحيفة "الجمهورية" ان ثمّة صِيَغٌ عدّة في جيب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي للخروج من مأزق التمويل، وستكون إحداها جديرة بتحقيق ذلك. فجميع المعنيّين بالملفّ حريصون على الاستقرار السياسيّ والاقتصادي، وعلى استمرار الحكومة. لكنّ مصادر السراي التي رشحت منها هذه المعلومات المتفائلة حرصت في الساعات الأخيرة على الكتمان. وقالت إنّ رئيس الحكومة يفضّل التوقّف عن الكلام والمساجلات في هذا الموضوع، كي يتسنّى له البحث المعمّق في هذه الصيغة مع المعنيّين وإقراراها في هدوء.
هذه المعطيات تنسجم مع الانطباع الذي يخلّفه موقف "حزب الله" من المسألة. فليس في خطاب مسؤوليه وكوادره درجة عالية من السخونة إزاء مسألتين: تمويل المحكمة الدولية، والنظرة الى مستقبل التعاطي مع الشركاء في الحكومة. وعلى خلاف ذلك، تؤكّد مصادر وزارية معنيّة أنّ "الحزب" أبلغ الرئيس نجيب ميقاتي حرصه على استمرار الحكومة، إلّا أنّه في ملفّ التمويل لن يكون قادراً على "البصم" على أيّ خطوة قد يجري تفسيرها على أنّها اعتراف منه بالمحكمة الدوليّة. فذلك من المسلّمات لديه. ولا يمكنه، حتى بالإيحاء، أن يمنح المحكمة براءة ذمّة من جانبه، فيما تستعدّ المحكمة لحرب عنيفة وطويلة ومصيريّة معه.
لكنّ "الحزب" جدّد عبر أمينه العام السيّد حسن نصرالله مقولة سبق أن "مرّرها" العماد عون، وهي: "فليموّلوا المحكمة من جيوبهم الخاصة إذا أرادوا". وهذه المقولة، وفقاً للمصادر، لا تُطرَح عبثاً، بل إنّ المقصود منها هو أنّ "الحزب" لا يمانع في تمرير التمويل في أيّ شكل، شرط أن لا يوحي بمباركته للمحكمة. وتلبية هذا الشرط تريح "الحزب" ولا يمانع فيها داعمو التمويل. لكنّها ليست أمراً سهلاً، ولا هي متوافرة في مجلس الوزراء، حيث "الحزب" وحلفاؤه يمتلكون الغالبية. وأمّا الإقرار في المجلس النيابي، حيث أنصار المحكمة هم الغالبيّة، فيصطدم بتحفّظات حتى من فريق 14 آذار. فطرْحُ اقتراح قانون بالتمويل في المجلس قد يعرّضه لطعن يستهدف دستورية المحكمة ككُل، في ظلّ الحكومة الحاليّة. كما أنّ الفريق المعارض يفضّل "إنتزاع" التمويل من الحكومة حصراً، لحشرها ودفعها الى اتّخاذ موقف حاسم، ووقف التلاعب اللفظي في هذا المجال.
المسألة في عهدة الرئيس ميقاتي الذي يدرك أنّ "حزب الله" يحظى اليوم بأفضل حكومة يمكن أن تغطّيه سياسيّاً، وهو يمتلك من التعقّل ما يكفي لعدم مبادرته الى إسقاطها. واللقاء الذي جرى الكشف عنه أخيراً بين السيّد نصرالله والرئيس السوري بشّار الأسد يؤكّد حرص الحليف السوري على الحكومة، ولو بتمرير هادئ لعقدة التمويل. فلا يمكن دمشق أن تظهر عاصية على الشرعيّة الدولية في ملفّ المحكمة، فتضيف نقطة سلبية على تعاطيها مع المجتمعين الدولي والعربي، في ظرف دقيق تفاوض فيه الجامعة العربية على بنود للخروج من أزمتها الداخلية.
كما أنّ هناك اقتناعاً بأنّ المحكمة تتقدّم في معزل عن أيّ عامل محلّي لبناني. فهي في صدد قرارات اتّهامية متوقّعة قبل نهاية العام في ثلاثة ملفّات باتت من صلاحيتها، تعود لمحاولتي اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء السابق الياس المُر والنائب مروان حمادة، واغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي. وهي تستكمل حاليّا استعداداتها لبدء المحاكمة الغيابيّة في ملفّ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكلّفت محامين للدفاع عن المتّهمين، وتستعدّ غرفتها الأولى لجلسة علنية في 11 من الشهر المقبل. ووفق نظام المحكمة، لا يوقف عملها لا عدم الوفاء بحصة لبنان من التمويل ولا حتى عدم التجديد لبروتوكول التعاون في آذار. وقد تلقّى لبنان رسميّا، وكذلك قوى 8 آذار، في الأيّام الأخيرة إشارات أميركيّة وأوروبّية واضحة الى عقوبات اقتصادية يمكن فرضها عليه إذا لم يُظهر تعاوناً مع المحكمة.
لكنّ المهمّ هو قدرة رئيس الحكومة على تمرير الصيغة التي ترضي المجتمع الدولي ولا تستفزّ "حزب الله" وتُظهره مشاركاً في "جريمة" تمويل المحكمة الدوليّة. ويبدو أنّ الرئيس نبيه برّي يدعم التوجّه الاستيعابي للملفّ، من خلال خارطة الطريق التي تمهّد لطرح صيغة التسوية. وهذه الخارطة تقوم على أساس إبعاد كأس النقاشات حول الموازنة إلى أقصى حدّ ممكن، لعلّ الوقت يحمل المخارج المناسبة تلقائيّا.