.. تلك الغيوم العابرة على “الربيع العربي”!

ربّ سائل وأكثر: أترى السلوك الذي مارسه بعض مجموعات أو أفراد الثورة الليبية بإعدام القذافي وابنه المعتصم، وبارتكاب جريمة جماعية في أحد الفنادق، وإعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبدالجليل وقبل الانتخابات البرلمانية، وقبل الإصغاء الى رأي الشعب الليبي، بأنه اختار الشريعة الإسلامية مصدراً للسلطة، أترى يعتبر ذلك بداية غير مشجعة لجماعة "المجلس الانتقالي"؟ ونذكر هنا أن بعض المجموعات المسلّحة ترفض حتى الآن تسليم سلاحها بعد الإعلان الرسمي عن تحرير كل ليبيا من حكم القذافي؟ أتراها مؤشرات مؤسفة، من شأنها إثارة مخاوف من أن يكون "ضيوف الحكم" الجدد في ليبيا من ورثة أنظمة دانوها وأعلنوا الثورة عليها، بما فيها الأصوليات الأحادية، وكذلك فرض نماذج جاهزة للسلطة قبل العودة الى الديموقراطية المباشرة، والانتخابات، ووضع أسس واضحة للنظام الجديد المفترض أنه تعددي، ومتنوع وقائم على الصراع السياسي والفكري وحتى الإيديولوجي وليس الأحادي الذي ينفي كل اختلاف تحت سقف ذلك النظام؟ أترى علينا أن نتخوف من استرجاع قذافية جديدة بكتاب "أخضر" آخر، وبديكتاتوريات "فقهية" أخرى، وبمرشدين آخرين، يكون لنا عندها أن نتساءل عن جدوى تلك الثورات، وجدوى تغيير أنظمة طغيانية تنجب، على أيدي الضيوف الجدد، طغيانيات بأقنعة جديدة؟

وإذا كنّا لا نعرف حتى الآن، ما هو شكل النظام العتيد في ليبيا، أيكون برلمانياً أو رئاسياً، أو "لجان ثورية" (مسترجعة)، أو تعددياً، وإذا كنا لم نعرف من مصطفى عبدالجليل سوى أنه استقى من الشريعة الإسلامية، فماذا سيكون قانون الانتخابات وطريقة التعبير، وأين الحريات، وأين الفردية وسقوفها، وأي صياغة لمناخ الحكم، وأي مشاركة؟ لا شيء! من كل هذا! طبعاً لا نطالب "المجلس الانتقالي" بأكثر مما يستطيع في الوقت الراهن، ولا باستعجال "الحلول" السحرية، لكن وضع شعار فضفاض فوق السلطة يُموّه النوايا، ويعزز المخاوف، ويطرح أسئلة: فمصر تستقي الإسلام مصدراً للشريعة، وكذلك ليبيا الجماهيرية القذافية كانت برغم ادعاءات القذافي الثورية "الطريق الثالث" كانت إسلامية. وتركيا بلد إسلامي، والسلطة الراهنة إسلامية. وإيران والكويت والمغرب (حضن الخلافة) كذلك ملكية على شعب إسلامي. ولأن ليس هناك نظام إسلامي واحد اليوم في العالم، فقد كان على مصطفى عبدالجليل، أن يوضح أكثر طبيعة النظام المقترح؛ وكان عليه أن يطرح رأيه كمقترح على الشعب الليبي الذي قدم 40 ألف شهيد على مذبح ثورته التي أطاحت الطاغية، ليقرر هو شكل النظام.

ومن جهة أخرى، نعترف بأن توضيحات المسؤولين الجدد في المجلس الانتقالي حول إعدام القذافي وابنه المعتصم لم تقنعنا. هل كان قراراً "دولياً" (من فرنسا أو بريطانيا)، نفذه بعضهم، أكان قراراً محلياً صادراً عن "المجلس الانتقالي"! أكان ردة فعل انتقامية تلقائية من بعض الثوار؟ أكان خطوة للتخلّص نهائياً من القذافي لكي لا يستمر خطراً على الثورة أو مصدر إزعاج لكثيرين إذا حوكم وأفشى بعض الأسرار؟ وأياً تكن التبريرات فقد أعدم القذافي من دون محاكمة. (هذا الطاغية يستحق العقاب وحتى الإعدام وأكثر، لكن بعد محاكمته). وكذلك ابنه. وهذا يعني أن ما كانت ترفضه الثورة من ارتكابات القذافي، قتلاً واغتيالاً لمعارضيه قد مارسته. وهذا شيء غير مقبول. فإذا افترضنا أن قتل القذافي كان فورة انتقامية، فماذا نقول عن إعدام ابنه المعتصم، الذي شاهدناه بعد اعتقاله من قبل الثوار يدخن سيجارة وفي يده زجاجة ماء. وكان هادئاً… ثم عرفنا أنه أُعدم. وهذا يعني أن إعدامه تمّ بقرار وبتصميم بعيداً عن انفعالية فردية. المجلس الانتقالي وعد بتحقيق، نتمنى أن يكون شفافاً لأننا ننتظر من الثورة أن تكون فعلاً على الطغيان، من أجل صورة الثورة نفسها في عيون الليبيين، والعرب والعالم كله. لأن عديدين في العالم العربي ممن أيدوا "الربيع العربي"، خصوصاً الثورة الليبية، بدأوا يستشعرون مخاطر تهددها، ومزالق خطرة تواجهها.

وهذا ما يقودنا الى ما يجري في مصر من التباسات حول العديد من المطالب التي كانت تتصدّر التحركات في ميدان التحرير، كرفع حالة الطوارئ، ووضع قانون يساوي اجتماعياً وسياسياً ودينياً بين كل مكوّنات الشعب المصري، وكذلك الإسراع في تسهيل المرحلة لانتقال السلطة الى مسؤولية مدنية، وتوضيح بعض الغموض الذي يكتنف الضيوف الجدد القدامى بعد الثورة من أمنيين وعسكريين وسوى ذلك. والقمع الذي ارتكب بحق مواطنين أقباط وسقوط قتلى وجرحى برصاص أطلق عليهم من القوى الأمنية (يرفض المسؤولون هذه التهمة) أو من سواهم، هو دليل على أن ما ارتكب بحق هؤلاء قد يرتكب بحق سواهم، لنعود الى النقاط التي يفترض أنها تجووزت بعد الثورة التي دفعت 900 قتيل ثمناً لنضالها. فالثورة الكبرى هذه إذا لم يكن ديدبانها الأهم الديموقراطية فماذا تكون: عودة الى الدكتاتوريات بسحن أخرى؟ وإذا لم تكن العدالة (الإصلاحات القضائية وفصل القضاء عن السياسة وغيرها) عنواناً فماذا تكون: عودة الى "قانون" ينافي العدالة نفسها. وإذا لم تكن المساواة الشاملة وبلا انتقاص بين المواطنين، فأي ثورة تكون: أمن حفنة مدنية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية دون سواها؟ فالمواطنية تعني المساواة قبل كل شيء. لا امتيازات لأحد على حساب سواه. وأتمنى ألاّ تصبح مهزلة محاكمة الرئيس السابق وعائلته وبعض المسؤولين نوعاً من ذر الرماد لصرف الأنظار عن الأمور الأساسية أي عن المطالب الأساسية لثورة يناير.

نحن نعرف أن الأمور ليست سهلة، خصوصاً عند الثوار المستقلين الذين لا يمتلكون حتى الآن أطراً حزبية أو نضالية، أو حتى تجارب في قضايا الحكم، لكن آن الأوان لأن يعمد هؤلاء "أهل الثورة" ومُبادئوها، وروادها في الإسكندرية وميدان التحرير وسواهما، أن ينتقلوا الى مرحلة تنظيم صفوفهم، لا سيما للمشاركة بفاعلية في الاستحقاقات المهمة والمصيرية التي تنتظرهم وتحديداً الانتخابات المقبلة. فهذه الشرائح المدنية الشبابية التي أشعلت الثورة وقادتها منذ بداياتها حتى اليوم، تواجه أطرافاً متعددة تسعى إمّا "لسرقة" الثورة منهم وإمّا الى ضربها (كفلول النظام السابق وبعض القوى المضادة للثورة). لا نعرف كيف و"أهل مكة أدرى بشعابها"، لكن لا يمكن تصوّر أن تعود مكاسب الثورة الى "أعدائها" أو الى الانتهازيين أو الى المتربصين بها. إنها مخاطر جمة تحاصر هذه الإنجازات الكبرى، قد تحرفها عن أهدافها العميقة التي انطلقت منها؛ وهذا من نخشاه: أن تحمل نتائج الانتخابات المقبلة كل هذه الهواجس والمخاوف، لتهمش الثورة من قبل اطراف قد تسعى الى إدامة كل ما يصيب الأسس: العدالة والمساواة والقضاء والديموقراطية والتعددية والطوابع المدنية.

لكن وعلى الرغم من هذه المخاوف بإشاراتها ونذائرها لا نظن أن شباب الثورة المستقلين عن مجمل القوى السائدة كالإخوان و"الغد" و"الوفد"… لا يعون هذه التناقضات. على العكس تماماً. فجلّهم من طينة "جديدة" حية ومن ذهنية ثاقبة. لكن نقصد أن "الدهاء" السياسي، والانتهازية، والمناورات، والأساليب الملتوية، والخبرة التي يتقنها بعض الأطراف، من شأنها أن تؤدي الى نتائج مخيبة. وقد يكون هذا ما حصل في الانتخابات التي جرت في تونس "أم الثورات العربية"، والتي عرفنا نتائجها التي أسفرت عن فوز حزب "النهضة" ذي التوجهات الدينية الواضحة.

ونظن أن من يكون خارج السلطة غالباً ما يحظى بشعبية تفوق أهل السلطة، خصوصاً إذا تعرض هؤلاء للقمع، وللعزل، وللمنع على أيدي الأنظمة البائدة. من هنا، يمكن القول أن نتائج الانتخابات الأولى في تونس هي بداية لا نهاية. وهي شق طريق لا سواها. فالمهم أن حزب "النهضة" (الذي استلحق الثورة بعد قيامها تماماً كالإخوان والأحزاب التقليدية في مصر)، وصل اليوم الى أعلى سقف له. والأهم أن أحزاباً مدنية وسياسية وعلمانية قد آمنت في فوزها (ولو أقلية) تعددية حزبية من شأنها أن تعزز الحياة السياسية التي كانت مفقودة على امتداد أكثر من ستة عقود. فالناس ربما ينتخبون أنفسهم بعد أن اعتادوا أن ينتخبهم غيرهم. والناس ذهبت الى صناديق الاقتراع بكل حرية وشفافية، بعد أن كانت صناديق الاقتراع تُملأ قبل أن يصلوا. والمهم أن أكذوبة الـ99,99% قد انتهت، وصار هناك نسب بين الأطراف، وحضور للرأي العام، وللإعلام، وللمنابر، وللموالاة وللمعارضة.

صحيح أننا كنّا نتمنى أن تفوز القوى المدنية والعلمانية لكن الصحيح أيضاً أن الإنجاز الأكبر قد تمّ، وهو فعل الديموقراطية المباشرة، وأن المواطن التونسي مارس مواطنيته بحرية. وشعر بوجوده (بعدما كان أيام الطغاة يفتقد هذا الوجود). فالأسف هنا يجب ألا يكون خيبة. والخيبة يجب ألا تكون إحباطاً… فالديموقراطية تصنع كل يوم. ولا تصنع مرة واحدة. وكذلك كل ثورة. ولو تذكرنا المأزق التي تعرّضت لها الثورة الفرنسية على امتداد أكثر من نصف قرن، حتى استتبت بمبادئها، لعرفنا أن الثورات العربية ستتعرض لمآزق كبيرة، ولأزمات صعبة. وهذا هو مصدر قوتها، واستمرارها؛ أن تجد آلياتها وأدواتها لكي تتجاوز كل ما من شأنه ردها الى عزلة أو تقوقع أو لا فاعلية… أو نهاية! من هنا وجوب تجنب الإحباط، والشعور بـ"النهايات". إنها بداية. والحياة السياسية المفتوحة بعد الثورة في تونس (ومصر وليبيا وقريباً في اليمن وسوريا)، والأفكار الجديدة، والمقاربات، والممارسات، هي التي تغير مسارات الناس وتعدلها. فالتعددية في نتائج الانتخابات التونسية على تفاوت أحجامها، ستؤدي الى إيجاد أحزاب جديدة، وزوال أخرى قديمة، وإلى نشوء قوى تفرزها الاعتمالات الاجتماعية، والفكرية، والإيديولوجية: ولهذا قلنا أن حزب "النهضة" يبلغ اليوم "أوجه" وأعلى سقوفه، ولا يعني ذلك أنه سيستمر على هذه الوتيرة. تذكروا النسبة التي فاز بها ساركوزي (51%) وقارنوها بوضعه اليوم (20%)، بل تذكروا النسبة التي فاز بها أوباما… وقارنوها بوضعه اليوم… وتراجعه، تعرفوا أن الدينامية الاجتماعية، والحركات المطلبية، في المجتمع التعددي ليست "أبدية". انتهت كذبة "من الأبد الى الأبد"، إنتهت كذبة "حزب الأمة" الوحيد. وقائد الأمة الوحيد. والعائلة المقدسة، والجمود التاريخي عند الشرائح. طويت مرحلة "الستاطيقو" وأشرفت مرحلة التحولات. فالتعددية هي التحولات. والأحادية (السابقة) هي السكون. التعددية هي الحياة. والثبات هو الموت. وما هو أكثري اليوم (كحزب النهضة) لا يكون أكثرياً الى الأبد. والأقلية (ضمن التعددية) بدينامية مطلوبة لن تكون أقلية الى الأبد. فالشعوب العربية بعد هذه الانتفاضات نفضت عنها القوالب الفوقية، والإملاءات النهائية، وباتت تتحرك ضمن فضاءات واسعة من الانتظارات، والاختيارات.

قد تختار اليوم ما قد لا نرحب به. لكنها اختارت بنفسها ولأنها اختارت بنفسها فستكون، ومن ضمن مسؤولياتها، ضمن هذه الديناميات النقدية، المرجع الأول للمحاسبة، والمراجعة، وبالتالي لتغيير المواقع، وتداول السلطة.
إنها البداية المتحوّلة، وليست النهاية المتجمدة. وهذا يعني انخراطاً حياً، وشغفاً، ووعياً حاداً، تساهم كلها في المساهمة بصنع الظروف، والتواريخ، والمصائر!

ويكفي أن يكون المواطن بات موجوداً ككائن حر، لكي تنظر الى ما يجري اليوم كبداية على احتمالات تاريخية مفتوحة.

كتب الصحافي والمفكر الفرنسي الكبير جان دانيال في مجلة "لونوفيل أوبسراتور"، (عددها الأخير)، مقالة بعنوان "غيوم على الربيع العربي"، أبدى فيها مخاوفه من بعض الإشارات السلبية. لكن الغيوم تعبر. تعبر لأنها غيوم. وتبقى السماء!
الغيوم على الثورة العربية لا بد أنها عابرة: وتبقى الثورة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل