قد يكون بعض اللبنانيّين، تحديداً مَن هم في موقع القيادة السياسيّة، وغير السياسيّة، معجبين بتشبيه الأديب والديبلوماسي سعيد تقيّ الدين، الرأيَ العام بالبغل، الحيوان الهجين (والده حمار وأمّه فرس)، المعروف بعناده وخنوعه معاً، لأنّهم كذلك يؤمنون بفعل الديماغوجية، في ترويض الرأي العام، وإقناعه بالخطأ على أنّه صواب.
لكنّ الأمر فشل في السابق، وليس مرشّحا إلّا للمصير ذاته في الآتي من الأيام، بدليل فضيحة الرسالة المزعومة من العميد ريمون إدّه، الى وزير الخارجيّة الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، التي لم تعش سوى ساعات، وصولا الى كذبة شبكة سوليدير للاتّصالات، انتهاء إلى «تبرئة» الحزب القائد من شبكة ترشيش بتوقيع وزير الاتّصالات، والتي لم تنطلِ على أحد.
يندرج الأمر في ما يسمّى الديماغوجية، التي كانت قمّتها الإيحاء بالخوف على المسيحيّين في العالم العربي، لا سيّما لبنان، وتخويفهم من حكم إسلامي، في دول أسقط الربيع العربي، أو سيسقط، أنظمة الديكتاتورية فيها.
لم تتحرّك هذه الموجة إلّا حين أزهر الربيع في سوريا، كأنّ النظام المهدّد بأصوات الحرّية كان حامي المسيحيّين في البلدين، وكأنّ النظام الآتي بديلا لن يكون وليد الديموقراطية المرجوّة، أو كأنّ الثورة انقلاب سيحمل نظام الملالي أو طالبان، حتى إنّ الجنرال، صاحب الخطب الرنّانة في ذمّ النظام المهدّد في دمشق، لم يتورّع عن القطع بأنّ «البديل من نظام الأسد هو حكم «الإخوان المسلمين»، واصفا الحاليّ بأنّه تعدّدي، أمّا المفترض أنّه آت فهو «إسلاميّ متطرّف»، فيما حليفه القائد حذّر من وصول تكفيريّين وجهاديين ينفرد، من دون خلق الله جميعا، برؤيتهم في محافظات سوريا.
ديماغوجية في اتّجاهين: من جهة تتعامى عن الحاضر، وفي الأخرى تفتري على المستقبل.
وإذا كانت «محاسن» النظام الراهن لا تخفى إلّا على الجنرال ومن يتراصف في خطّ «أمين عام الدولة اللبنانيّة» وحزبه، فإنّ من الواجب تذكيره بأنّ أيّا من الاتّجاهات الاسلامية لم يحكم في أيّ من بلدان العرب، حتى اليوم، وتاليا ليس لهذا النمط من الحكم ماض يحاسَب عليه.
لا أعرف لماذا ذكّرني «الجنرال» بالسيّدة مريم نور، وهو يتحدّث بحالة «نيرفانيّة» عمّن يخلف نظام الأسد، الى صحافيّين أوروبّيين: رأي قاطع بلا أيّ سند، سوى الإيهام، وحال أقرب إلى الشعبويّة المبنية على إثارة المخاوف، تماما كأنماط اليمين الأوروبّي الذي نشط في العقدين الأخيرين من القرن الفائت، ويستكمل اندثاره حاليّا.
يستشهد الترهيبيّون بما جرى في العراق، «متجاهلين» أنّ قتل المسيحيّين فيه لم يكن إلّا استكمالا لقتل غيرهم من العراقيّين، والأهم، تاريخيّا على الأقلّ، أنّ ذلك كان في ظلّ حرب أهلية تحت مظلّة تغيير فرضها الاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين، وليس في ظلّ الربيع العربي، الذي تميّزت ثوراته في كلّ مواطنه، بالسلميّة والديموقراطية المنادية بالتعدّدية.
أسوأ ما في هذه الديماغوجية، زاعمة الخوف على المسيحيّين، والساعية إلى تخويفهم، أنّها تصوّرهم ضيوفا طارئين على بلدانهم، أو مستوطنين فيها على النمط الصهيوني، يجب السعي إلى نظام متصرفية، ربّما لحمايتهم، فيما هم أبناء أوطانهم ولهم فيها ما لغيرهم، وقد يكون أكثر.
وينسى مدمنو الديماغوجية، أنّ دولة القانون والديموقراطية التي يريدها ربيع العرب، وحدها تحمي الإنسان العربي في بلده.
ليست زراعة المخاوف الدينية من قبل هؤلاء، إلّا ستارا لسعي منهم إلى دمج الدين في الثورة اليوم، وصولا إلى جعله غدا في تركيبة انظمة الدول لتحضير فشل ما بعد الانتصار.
قد يعذر لهؤلاء أنّهم يتهيّبون إشهار دعمهم للمستبدّ، فلم يجدوا غير هذا البعبع لمساندته بعنوان درء المخاطر، وأكملوا، بأن أوجدوا له دورا لم يترجمه يوما، وهو التصدّي لإسرائيل، حتى سمّوا الصمت على احتلالها ممانعة ونصرا معلّقا. لا يعني ذلك إنكار وجود حركات سياسيّة إسلامية في الربيع العربي، لكن ليس بينها أيّ اتّجاه تكفيريّ أو جماعات مسلّحة، وتجربة حزب النهضة في تونس جَليّة، من خلال نتائج الانتخابات، كما أهدافه واضحة في أدبيّاته السياسية، فهو أعلن تمسّكه بالتعدّدية والعلمنة مع أنّ المجتمع التونسيّ ذو غالبيّة مسلمة كاسحة. في المقابل، أليس في أوروبّا أحزاب مسيحيّة، تجسّد تأثير الدين على السياسة وتعطيه دور المرجعيّة القيميّة والأخلاقية في البلاد، فيما الديانة الإسلامية هي الثانية في أغلب مجتمعاتها، ولم تطلق صرخة خوف منها ؟.
السبب أنّ في أوروبا دولا بُنيت على القوانين واحترام الديموقرطية، وما يعيشه عرب هذا الربيع، إسلاميّين ومُسلمين ومسيحيّين وعلمانيّين، فرصة لاستنساخ هياكل الحرّية التي تعامل الإنسان كمواطن، وليس واحدا من رعيّة طائفة أو دين أو مذهب.