يمكن للرئيس السوري أن يحكي كلاماً كبيراً عن اهتزاز المنطقة برمّتها كنتيجة لتدمير سلطته. فهو يعرف إمكاناته جيداً، وغيره أيضاً خصوصاً في لبنان يعرف شيئاً من تلك الإمكانات، لكنه في واقع الأمر لا يفعل (بكلامه) إلا إضافة صفحة جديدة الى كتاب قديم.
من سبقه من نظرائه، هوّل كثيراً بإزاحة الكرة الأرضية عن محورها.. وبقصة الأصوليين والسلفيين والفوضى التامة والحرب الأهلية، لكن ذلك لم يغيّر حرفاً واحداً في السيناريو المقدّس الذي نقرأ فيه منذ مطلع العام 2011: ثورة شعبية تامة. خرجت وحدها بعد اكتمال نضوجها وانفجرت في وجه الجميع. لم يؤطرها حزب عقائدي واحد. ولم تقم بها مجموعة انقلابية مسلّحة. ولم تسيّرها تنظيرات وبلاغات وهيئات حزبية أو دينية أو نقابية، تنظيمية مخضرمة أو وافدة حديثاً على العالم القائم. كما لم تدفع بها الى أمام أو وراء مجموعات مرتبطة بأجندة خارجية، متآمرة على النسيج الوطني المكين والمتين الذي نسجته السلطات المندثرة، كما على الأدوار العظمى لتلك السلطات، وجلّها لا يقبل صفة أقل تواضعاً من الممانعة والمقاومة!
مكمن الخلل المركزي في تفكير أهل تلك الأنظمة هو افتراض إمكانية أمنية أو عسكرية أو تشبيحية أو سياسية تهويلية أو "استدعائية" لمواجهة ما يحصل والفوز بالبقاء في نهاية المطاف. حقّهم موفور في ذلك. إذ انهم وضعوا على مدى سنوات حكمهم سيناريو مضاد لكل سيناريو تهديدي محتمل. لكن المشكلة أن ما يجري راهناً جاء من خارج تلك السيناريوات مجتمعة. ومن خارج كل كتاب سلطوي تدريبي درس فيه حكّام مرحلة الحرب الباردة وأورثوه لأبنائهم في الزمن الراهن.
لم ينفع التهويل بالبديل لحفظ الأصيل.
ورواية الأصوليات والسلفيات بارت في أرضها ولم تُبع بكثرة.. جاء الآن دور التهويل الأكبر والأوسع مدى. وهذا لا تعوزه مصطلحات الزلزلة والتدمير الشامل وحرق المنطقة بأكملها إذا ما حصل "تدخل غربي" في سوريا.. أو بالأحرى إذا اكتملت مقومات سقوط السلطة فيها.
لكن الحاصل هو ان في ذلك التهويل الفظيع تمويهاً مزدوجاً: الأول إصرار على التوجه الى الخارج (سلباً أو ايجاباً) في حين أن ما يحصل هو أمر داخلي في أصله وفصله وأساسه وبنيانه. والثاني هو "استدراج" ذلك الخارج كي يتدخل، لكن لمصلحة السلطة وليس ضدها! وفي الحالتين ابتعاد عن الواقع. وكل ابتعاد عن الواقع هو تقريب للوهم. وكل وهم قتّال قهّار في الحالة السورية: لا قدرة لأي خارج على إيقاف ما يحصل. حتى لو أراد ذلك بعض الخارج. ثم الأهم هو أن الأسد يعرف أكثر من غيره حدوده وحدود قدراته، وهي كبيرة وخطيرة، لا شك في ذلك، لكنها تحمل في ذاتها بذور تدميرها إذا ما جرّب صاحبها تشغيلها في المدار الإقليمي الواسع. لا حلفاؤه في وارد إشعال النار في ثيابهم من أجل حمايته ومنعه من السقوط. ولا أخصامه وأعداؤه في المنطقة وخارجها سيسمحون له بتوسيع دائرة النار الى خارج حدود سوريا!
أما بعد ذلك، فإن أحداً ما كان مغامراً ودموياً وسريع الاشتعال مثلما كان صدام حسين وبعده بسنوات معمر القذافي. والاثنان أمثولتان وإن كانتا مليئتين بمآسٍ وفظائع تكفي نصف الكرة الأرضية. لكن المعضلة (الفعلية) هي ان أنصاف الحلول في سوريا ما عادت متوفرة فيما الالتحام تام بين السلطة والمصير. وفي ذلك، إن تواضع الكلام، تحضر بلايا كبيرة لا حاجة لذاهب أن يخبر الآتين عنها!