كتبت سابين عويس في "النهار": على القاعدة التي أرساها له الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بقوله إن لا شروط على رئيس الحكومة والقرار في شأن تمويل المحكمة الخاصة بلبنان يتخذ في مجلس الوزراء، يمضي الرئيس نجيب ميقاتي في خريطة الطريق التي رسمها لنفسه منذ قرر الترشح لتولي الرئاسة الثالثة خلفاً للرئيس سعد الحريري، مع كل ما أحاط ذلك القرار من تحديات والتزامات أدركها ميقاتي مبكراً ورسم طريقه على أساسها.
"أنا أعرف ما أريد والاهم انني أعرف كيف أصل اليه"، يسرّ في مجالسه الخاصة، مضيفاً " رؤيتي واضحة ولا غبار عليها وسأكمل ما بدأته وأنفذ ما التزمته أمام اللبنانيين قبل الخارج".
ومن كلامه، يفهم أن رئيس الحكومة الذي يتعرض للانتقادات على خلفية اتهامه من الحلفاء قبل الخصوم بأنه يطلق التزامات ليس قادراً على الايفاء بها ولا سيما في مسألة المحكمة الدولية والموقف المسبق الثابت لـ"حزب الله" منها، مدرك لما سيترتب عليه من مسؤوليات اذا تخلف لبنان عن التزاماته الدولية أو اذا تخلف هو عن مجاراة موقف حلفائه في الحكومة. لكن أياً تكن النتائج التي ستنتهي اليها الامور، فإن ميقاتي وفقاً لحساباته، سيخرج منها رابحاً، بقي في السلطة أو لم يبق. اذ بات للرجل مكانته وحسابه في نادي الرؤساء وفي "صحن" الطائفة.
وبحسب عارفيه، تقوم استراتيجية ميقاتي على محورين: الاول سياسي يتمثل بحركة الاتصالات والمشاورات الداخلية والعربية والدولية التي ينشط بها لخلق زخم وتفاعل مع ملف المحكمة يدفع من خلاله حلفاءه الى وعي أخطار الانزلاق في قرار عدم التمويل على لبنان أولاً وعليهم ثانياً. وهو بعد لقاءاته الباريسية في أول اطلالة دولية له وبعدها الاطلالة الاممية واستعداده للقاء نظيره البريطاني قريبا – والتي جاءت بدعوة من رئيس الوزراء ديفيد كاميرون عندما بلغه أن رئيس الحكومة اللبنانية سيمضي عطلة الاضحى في لندن، بعدها زيارة قريبة للفاتيكان مدرجة على جدول تحركه الخارجي فضلاً عن تحرّك ديبلوماسي داخلي تعج به يوميا السرايا الحكومية، بدأ يتلمس مفاعيل تلك الحركة بحيث استعاد الضغط الدولي زخمه في اتجاه تذكير لبنان بالتزاماته الدولية والتداعيات السلبية المحتملة في حال تخلفه عنها.
أما المحور الثاني فتقني دستوري يبحث فيه عن المخارج القانونية للتمويل . وأمام ميقاتي مجموعة من الخيارات قيد الدرس:
– انتهاج المسار الذي اعتمدته الوزيرة السابقة للمال في حكومة الوحدة الوطنية ريا الحسن والذي وافق عليه وزراء "أمل" و"حزب الله"، وذلك عبر التقدم بطلب سلفة خزينة بموجب مرسوم يكلّف بإعداده وزير العدل ( حتى لو كان من كتلة رافضة للأمر) ويرفعه الى مجلس الوزراء بعد ان يطلب فتح التنسيب لوزارته من وزارة المال.
– طلب فتح اعتماد اضافي في موازنة رئاسة الحكومة أو نقل اعتماد من احتياط الموازنة لزوم لسداد حصة لبنان من تمويل المحكمة.
– اللجوء الى الهبات وفتح الباب عبر تبرع يقوم به رئيس الحكومة عينه مساهمة منه في تأمين المبالغ المستحقة وتنفيذا لالتزامه الشخصي هذا الامر.
وأياً تكن الآلية القانونية التي ستعتمد فهي ستمر حكماً عبر مجلس الوزراء وليس تهريبا، أياً يكن التوافق او التسوية التي تفضي اليها الاتصالات المباشرة وغير المباشرة الجارية، وهي ستكون مشروطة مع ملف تجديد البروتوكول مع الامم المتحدة بحيث يأتي التمويل مشروطاً بالتعديل.
– تأمين الاكثرية للتصويت مع المشروع ضمن سيناريو تصويت وزيري "حزب الله" ضد وتغيب وزراء "أمل" وعدم التزام كل وزراء "تكتل التغيير والاصلاح" موقف التكتل.
"حزب الله" والعقوبات: لا نغطي أحداً
وأياً تكن المخارج الجاري البحث عنها لتجاوز التمويل استعدادا للاستحقاق الاهم المتمثل بتجديد بروتوكول المحكمة مع الامم المتحدة، فإن السيف المصلت فوق رأس السلطة اللبنانية والعامل الضاغط في اتجاه دفعها الى التفكير ملياً قبل اعلان رفض التعاون مع المحكمة، يبقى سيف العقوبات التي تهدد بها الولايات المتحدة وأوروبا. وهي، بحسب معلومات موثق بها لـ"النهار"، لن تستهدف لبنان عموما، وإنما ستكون محددة الاهداف والاتجاهات وستشمل رجال أعمال وشخصيات ومؤسسات ترتبط مباشرة أو غير مباشرة بحزب الله.
وهذه المعلومات ليست بعيدة عن قيادة الحزب التي بدأت تتعامل معها بجدية ومسؤولية تحسباً لانعكاساتها بشكل عام أولاً وعلى الشخصيات او المؤسسات التي تدور في فلك الحزب او الطائفة عموما، بما أن المعلومات تشير الى أن العقوبات تستهدف رجال الاعمال الشيعة في إطار الضغط لقطع اي مصادر تمويل محتملة للحزب من أي طريق جاءت، تجارية كانت أم مصرفية، مع ما يعنيه ذلك من قطع لفرص العمل والوظائف التي توفرها الاستثمارات المستهدفة بهدف ارباك الحزب وحشره داخل طائفته.
وبحسب المعلومات المتوافرة، فان لقيادة الحزب مقاربة واضحة للموضوع تقلل من الاضرار المتوقعة. وينقل عن الامين العام السيد حسن نصر الله تأكيده أن الحزب لا يغطي أحداً ولا يحمي أي مرتكب، وأي اتهام يوجّه الى أي كان بتبييض اموال او تهريبها لمصلحة الحزب فهو غير صحيح وسيتم التعامل معه على هذا الاساس. والحزب يهدف من موقفه هذا الى قطع أي صلة مع اي جهة يمكن أن تستهدف على قاعدة أن الاستهداف سياسي في الدرجة الاولى ويرمي الى ضرب مصادر اموال الطائفة الشيعية بقطع النظر عما اذا كانت الاتهامات في محلها أو لا.