#adsense

مفهوم الأستبداد

حجم الخط

" … والأستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرّف في شؤون الرعيّة كما تشاء من دون خشية حساب ولا عقاب… "
الكواكبي – طبائع الأستبداد

ربّ قائل إنّ الأستبداد كان السبب الرئيسي للتخلّف السياسي والأجتماعي في شرقنا العربي أو هو العامل الأهمّ في ترسيخ الأنحطاط الذي توالت فصوله خلال سيطرة العثمانيين على المنطقة، وترك تداعياته المكروهة بعد سقوط السلطنة، فعرّض الوطن العربي الى التموضع بين فكيّ كمّاشة: تفاقم أطماع الغرب لأقتسام تركة الرجل المريض، وأطباق الديكتاتوريّين البلديّين على أنظمة الحكم. وذلك جرّ على بلدان الشرق وما زال، تأخّرا في مواكبة النهضات العالميّة، وتعمية للوعي أمام أفكار التنوير والحريّة.

الأستبداد في الّلغة هو غرور الفرد برأيه وعدم قبول النصيحة، والتفرّد في الحقّ من دون الآخرين. وهو في الأصطلاح، تصرّف فرد أو جماعة في حقوق القوم المشتركة بلا خوف تبعة.

قد ينشأ الأستبداد بواسطة حكم الفرد المطلق الذي يستولي على السلطة بالقوّة والعنف، من غير وجه حقّ، أو بالوراثة أي أنتقال الحكم من الأب الى الأبن فيظنّ بأنّ الوارث هو أفضل أسلوبا من مورّثه، لكنّ النتيجة المحتّمة هي الخيبة الى حدّ الترحّم على السلف في أغلب الأحيان.

والواقع أنّ أشدّ مراتب الأستبداد ظلما هو حكم الفرد المطلق الوارث لـ "العرش " والحائز على سلطة شمولية، يغيب معها القانون والعقاب، وتتحوّل العلاقة بين الحاكم والناس الى علاقة قامع ومقموع وتابع ومتبوع. أمّا المعادلة السلبية في منظومة الأستبداد فهي، على الأطلاق، المعادلة التي تشكّل الحريّة فيها الحدّ الأوّل. فالحريّة، عدوّ المستبدّ، تقود وحدها الناس في الطريق التي تنتهي الى زوال الجور والظلم والتحكّم الأشرس بالمصائر. لذلك، يحصر المستبدّ أهتمامه بقمع أيّ حراك جماهيري مدفوع بفعل الحريّة، مرتعبا من أن يتسنّى للشعب ولوج مسلك الحريّة فلا يقبل بالعودة الى الوراء، لأنّ من تلفحه نسائم الحريّة لا يرضى بأقلّ من الأستمرار بتنشّقها، ولو كان الثمن حياته ذاتها. أوليست الحريّة أفضل من الحياة، كما قال أحد المفكّرين النهضويّين؟

لقد سادت في الدول التي يستأثر المستبدّ بها، جملة من "الثوابت" رسّخت سلطة الحاكم المطلقة، وأبرزها القابلية للأستبداد وغياب المواطن لحساب علاقة الرّاعي والرعيّة وتأليه المستبدّ. وهي ثوابت لم يحتج الطغاة الى أكثر منها لتمتين قهرهم وتسلّطهم وأستمراريّتهم.

إنّ الجهل أدّى خدمة جلّى لأصحاب السلطان الأقطاعي، فاعتاد الناس على نمط حياة أنطبع في أذهانهم ونفوسهم، وأصبحوا منقادين له تلقائيا وأسرى، يقاومون حتى محاولة الخروج من بين قضبانه. وغاب عنهم أنّ المواطن هو أساس السلطة ومصدرها، وأنّه الشخص الوحيد الحرّ بالمعنى السياسي للكلمة، وأنّ العلاقة بين الحاكم والشعب تقوم على معادلة الحقوق والواجبات، وأنّ الحاكم ليس ألها أو من مدينة القدّيسين وليس مثاليا أو نموذجيا لا يخطئ ولا يرتكب الموبقات. كما غاب عنهم أنّ وعود الأستبداديّين بالأصلاح هي محضلا ملفّقات وأحاديث خبيثة ومزيّفة، فأيّ تبديل أو تعديل في نمط حكمهم أنّما هو نسف شامل لهذا الحكم، وألغاء لإقطاعهم ودوامهم. وغاب عنهم أنّ المستبدّ تلطّى خلف مقولة الأمن الوطني أو القومي، ومصلحة البلاد العليا، لتمرير مكره وخداعه وتحقيق مصالحه وتلاعبه بعقول الناس واستئثاره بثروات الوطن وأستعباده "الرعيّة". وغاب عن الناس أنّ هذا البلاء القبلي الوراثي الذي انسحب على دول العالم العربي ووصمه بعار الأنحطاط، لن يجد له دواء وترياقا شافيا إلاّ بالناس أنفسهم الذين تلوّثوا به. وإنّ ظلّ الله على الأرض ليس أبداً هذا المستبدّ القهّار الذي ركن الى الظلم والطغيان والقسر باعتبارها الضمانات الحقيقية للسلطة، والذي أعتاد على ترهيب الناس بأجهزة أمنه لينتزع منهم الطاعة المطلقة.

إنّ غياب الفكر السياسي الذي يهتمّ بالسلطة والحكم والنظم أدّى الى شيوع موجة الأستبداد، كما غيّب مبدأ الحريّة والسيادة الشعبية في التشريع. وهذا يعني تحديدا أنّ الديمقراطيّة هي الحلّ الأمثل ووسيلة التغيير الفضلى للانتقال بالمجتمع من حال الأستبداد والأنحطاط الى حال المواطنة والحقوق ومفهوم الدولة الحديثة. وهذه التجربة بحاجة الى وعي شعبي وقوى سياسية متنوّرة وشجاعة تبادر الى مواجهة الميول الأستبدادية، من دون تخاذل أو تسويات، كي لا يصاب الشعب بالأحباط وبعدم الحماسة لاحقا لأيّ حراك يسعى للقضاء على السلطة الجائرة وأستبدالها بالديمقراطية. إنّ النظام الديمقراطي هو البديل الأوحد عن العسكرة القائمة على الذهنية الشمولية، وعلى قوانين الطوارئ والمراسيم الأستثنائية، وعلى القمع المادي والفكري، وعلى عبادة القائد. هذه العسكرة التي هيمنت بحجّة التنمية والدفاع، والتي أفقدت مجتمعاتها الحرية والخبز معا. إنّ توسيع قاعدة الداعين للديمقراطية يشكّل أولويّة مطلقة لمواجهة الأستبداد، هذا التوسيع الذي يجب أن ينسحب على مكوّنات العالم العربي بأسره، لينعم هذا العالم فعلا بالربيع الموعود.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل