صاحب الفخامة،
نحن نطمح إلى الكمال الذي بات بعيد المنال، إلاّ أننا نعرف أن دونه عقبات كثيرة وكبيرة، لذا بات طموحنا متجمّداً في ثلاجة الانتظار… انتظار البلوغ… بلوغ سن الرشد، لا بل بلوغ لبنان مصاف الدول التي تحترم شعوبها وتعرف كيف تحفظ وتصون الكرامات في الأيام الصعبة والحالكة. إلاّ أن هذه الوضعية لا تبرر أبداً الانحدار إلى قعر الدول النامية والتخلي عن أبسط حقوقنا وكرامتنا وسيادتنا وحريتنا والوصول إلى حد الاستخفاف بعقولنا.
صاحب الفخامة،
من دون مقدمات وبالبساطة التي تحب، لبنان اليوم لا يُشبه أبداً لبنان الدولة ولا لبنان الوطن، فهو في غربةٍ عن نفسه وعن شعبه والهوّة كبيرة وتتسع يوماً بعد يوم حتى كاد بعضنا يترحّم على لبنان في عزّ زمن الحرب الأهلية، فما نشهده اليوم لم يكن يحدث في زمن "سطوة المليشيات"، يوم اختلط الحابل بالنابل وعاث بعضهم في الأرض فساداً وتتالت على لبنان اجتياحات بالجملة من كل حدبٍ وصوب إلاّ أنه وبالرغم من فظاعة المشهد آنذاك بقي لكل فئةٍ "جهة" تحفظ كرامتها وتصون أرضها وتستميت في الدفاع عن عزتها وتحميها حتى الموت وترفع لواءها حتى يُعانق السماء.
أما اليوم يا صاحب الفخامة فحدودنا ليس لها مَن يحميها ولا مَن يدافع عنها، فهي مشرّعة للعدو والشقيق، هذا الشقيق الذي بات يستسهل التنزّه داخل أرضنا بجنازير آلياته وفوهات بنادقه الموجّهة إلى صدورنا وممتلكاتنا، فيعتقل مَن يشاء ويقتل مَن يشاء و"يستحلي" ما يشاء ويغادر ليعود متى شاء، وهكذا دواليك … كل ذلك يقابله صمت رسمي مطبق على كل المستويات.
صاحب الفخامة،
آلا تستدعي كل هذه الخروقات موقفاً رسمياً مندداً يُعيد للدولة هيبتها المفقودة ويدوّن اليوم في كتب التاريخ ليدرّس غداً للأجيال الآتية فيكون مثالاً يُقتدى به عند الحاجة؟
صاحب الفخامة،
إلى جانب حدودنا السائبة والاقتصاد المتعثّر والسياحة الغائبة والكهرباء المقطوعة والإضرابات المتتالية والأملاك المستباحة وشبكات الاتصالات المشبوهة، إلى جانب كل هذه الملفات الزاخرة برز عندنا ملف إضافي مزدهر وهو "الخطف".
نعم، من خطف المهندس جوزيف صادر إلى خطف الإستونيين السبعة، وبعدهم خطف المعارضين والعمال السوريين وما قد يليهم على لائحةٍ تطول وتطول، والأخطر من كل ذلك ما أدلى به المدير العام لقوى الأمن الداخلي من معلومات في اجتماع لجنة حقوق الإنسان والشكوك التي طالت السفارة السورية في لبنان حول دور لها في بعض هذه العمليات، وإستهجان النائب وليد جنبلاط "اختفاء المناضل شبلي العيسمي وآخرين على يد شبيحة لبنانيين ورسميين تابعين فيما يبدو لبعثة دبلوماسية".
صاحب الفخامة،
إن إجراءات التعاطي مع هذا الملف وكأن أحداثه تدور في كوكب آخر فلا تحريك للقضاء ولا بروز معلومات من الضاحية الجنوبية – المكان الذي خُطف إليه المهندس صادر – ولا استدعاء ولا طرد للسفير المعني وكأن هذه الحوداث تدور حقاً في كوكب آخر خارج الزمان والمكان.
صاحب الفخامة،
أستحلفك باسم طاولة الحوار التي تنادي بها والتي أقرّت بالإجماع المحكمة الدولية لمعرفة الحقيقة، ما الذي تبدّل وما الذي تغيّر لنعود ونبحث في جنس الملائكة، مع أو ضد التمويل وإلى متى نبقى نلهث للوصول إلى خواتيم قضية ما حتى نعود سريعاً إلى المربّع الأول؟
صاحب الفخامة،
من دون مواربة، لبنان منقسم إلى ضفتين الأولى ونحن منها تنادي بسلاح الشرعية والدولة اللبنانية، والثانية تستجدي شرعية السلاح وتحاول أن تقيم دولة على كتف الدولة. وبين الضفتين أي في الوسط بحر هائج وصخور تلطمها الأمواج العاتية وأتربة ورمال متحرّكة وتيّارات ثوابتها المدّ والجزر وتقلبات دائمة.
صاحب الفخامة،
الواضح أن الوسط باقٍ طالما ان الضفتين باقيتان، إنما التموضع فيه مستحيل في ظل ما يحكم هذا الوسط من عوامل تشلّ الحركة وتحدّ من القدرة على الإنتاج وبالتالي تمنع النجاح ما يحتم علينا الانحياز إلى الخيار الصائب والقيام بجهد لإنقاذ ما تبقى من الهيكل، وهنا يستحضرني قول للفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران يقول فيه: "إن الأيدي التي تصنع أكاليل شوك هي أفضل من الأيدي الكسولة"، وكأن جبران يحيا بيننا اليوم ويدعونا إلى عدم الوقوف مكتوفي الأيدي، متفرجين على وطنٍ ينهار وأرض تُستباح ودولة تُغتصب. فكيف إذا كان هذا الوطن لنا وهذه الأرض أرضنا وهذه الدولة إسمها لبنان. فهل مَن يسمع ويستفيق من سباتٍ عميق؟
والسلام … يا صاحب الفخامة.