كتب رومان د. أورتيس: قبل اسبوعين، عندما كشف وزير العدل الأمريكي اريك هولدر المؤامرة التي حيكت بواسطة عناصر من جيش القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني التي خططت لتجنيد قتلة مأجورين مكسيكيين لاغتيال سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن، قوبلت هذه الاتهامات حول ذلك بدرجة معينة من الشك داخل وخارج الولايات المتحدة رغم الأدلة الدامغة حول تورط الجمهورية الإسلامية الايرانية في محاولة الاغتيال، وهناك عدد لا يستهان به من الأكاديميين والصحفيين الذين وضعوا هذه المؤامرة في موضع الشك، مستندين في ذلك إلى عدم وجود سوابق معروفة للنشاطات الإيرانية الاستخبارية أو حليفتها منظمة حزب الله اللبنانية في المكسيك.
على الرغم من ذلك، فإن المؤامرة التي كشف النقاب عنها وزير العدل الأمريكي لم تكن إلا مجرد الحلقة الأخيرة في سلسلة من الحوادث التي حدثت على مر سنوات عديدة والتي جلبت إلى الأضواء الجهود التي تبذلها طهران لتحقيق التواجد على أرض المكسيك وفي منطقة الكاريبي بغية الحصول على منصة استراتيجية تعرض منها قوتها تجاه دول أمريكا الشمالية.
وكثفت طهران من نشاطاتها الدبلوماسية لبناء تحالفات مع الحكومات في المنطقة. وبالإضافة إلى تحالفها المعروف مع فنزويلا، سعت الدبلوماسية الإيرانية للاستفادة من فرص أخرى. وفي الواقع، شهدت العلاقات بين طهران ودولة كوبا تطوراً جوهرياً خلال السنوات الماضية وتمخض عنها لتوقيع على اتفاقية لدعم الجزيرة بـ 500 مليون يورو خلال الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي إلى العاصمة الكوبية هافانا في شهر أيلول الماضي. وفي نفس الوقت، امتدت النشاطات الدبلوماسية الإيرانية إلى أجزاء أخرى في منطقة الكاريبي، طالت جزر سانت فنسينت والجرينادينز التي أحجمت عن استنكار انتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها النظام الإيراني، وذلك خلال جلسة تصويت في الأمم المتحدة عام 2009، وكان ذلك تحت تأثير مباشر من ايران التي وعدت بتمويل بناء مطار في هذا الأرخبيل. على الصعيد ذاته، واصلت ايران بذل جهودها لنشر وجودها في أمريكا الوسطى وحاولت استكمال روابطها مع حكومة دانييل أورتيغا في نيكاراجوا مع إنشاء علاقات دبلوماسية مع إدارة الرئيس زيلايا (Zelaya) في دولة هندوراس. وقد تم التخلي عن هذا المشروع عندما تمت الإطاحة بالرئيس الهندوراسي عام 2009.
وقد ترافق نمو النشاط الإيراني مع تزايد الأدلة التي تشير إلى مشاركة نشطاء ايرانيين وعناصر من منظمة حزب الله في نشاطات إرهابية في جميع أنحاء منطقة الكاريبي وأمريكا الوسطى والمكسيك. والحال نفسه ينطبق على كشف مؤامرة تفجير خزانات الوقود في مطار جون أف كندي في نيويورك عام 2007، والذي أدى إلى اعتقال رجل دين من ترينينداد وتوباجو وثلاثة آخرين من جيانا وجميعهم من المسلمين الشيعة. وخلال المحاكمة التي جرت في الولايات المتحدة لهؤلاء الأشخاص، أصبح من الواضح أن هؤلاء المتآمرين كانوا على اتصال مع الإيراني محسن رباني الذي كان متورطاً في الهجوم على مركز يهودي في بيونس أيريس عام 1994.
بالاضافة الى هذه القضية، هناك شواهد أخرى التي تدل على استخدام العملاء المقربين من منظمة حزب الله للأراضي المكسيكية أو مناطق في أمريكا الوسطى كقاعدة لعلميات في الولايات المتحدة. في عام 2005 ظهرت هناك قضية محمد يوسف كوراني الذي دخل الولايات المتحدة من المكسيك بطريقة غير مشروعة ليجد نفسه يعيش بين أفراد عائلة من الجالية المسلمة في شيكاغو، ومن هناك اعتقل يوسف كوراني عندما كان يجمع أموالاً لصالح منظمة حزب الله. وربما لم يكن بمحض الصدفة تسلم أخيه لمنصب مسئول العمليات العسكرية في منظمة حزب الله في جنوب لبنان. وفي عام 2009، تم تسليم جمال يوسف، وهو ضابط سابق في الجيش السوري له علاقات عائلية مع عناصر من حزب الله، للقضاء الأمريكي بعد أن تم اعتقاله حينما كان يحاول بيع أسلحة لعملاء سريين يعملون في إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بعد أن تظاهروا أمامه على أنهم أعضاء في العصابات الكولومبية FARC.
مع سجل كهذا، أصبح من المنطق أن محاولة الاغتيال للدبلوماسي السعودي على أيدي عناصر من جيش القدس الايراني والتي تم كشف النقاب عنها لم تكن حدثا عابراً، ولكن هذا المحاولة تعتبر خطوة إضافية كجزء من الجهود الاستراتيجية طويلة الامد لاستخدام المكسيك وأمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي كمنصة لانطلاق عمليات نحو الولايات المتحدة. وبالتأكيد، يشير المستوى المتدني للتخطيط لهذه المؤامرة الى أن المتعاونين مع الاستخبارات الإيرانية في هذه المنطقة لا يزالون على درجة متدنية من البراعة. وفي نفس الوقت يكشف وجود هذه المؤامرة نوايا طهران الجلية في بناء البنية التحتية السرية اللازمة لتنفيذ هجمات إرهابية في منطقة أمريكيا الشمالية بطولها وعرضها. وما لم تقم حكومة الولايات المتحدة وحلفاؤها في أمريكا اللاتينية بضرب هذه الاستراتيجية، فإن تعلم عملاء إيران كيف يصبحون فاعلين بشكل أكبر هي مسألة وقت فقط.
* بقلم رومان د. أورتيس هو مدير "Decisive Point" وهي شركة استشارية متخصصة في مجال الأمن والدفاع، وأستاذ في قسم الاقتصاد في جامعة لوس أنديس في بوغوتا، كولومبيا، حيث يبحث ظواهر العنف السياسي والإرهاب في أمريكا اللاتينية.