أتت هذه الحكومة ورئيسها في سياق انقلاب أمني أدى الى تغيير موازين القوى استناداً الى منطق الترهيب والترغيب، فأصبحت الغالبية التي أفرزتها انتخابات 2009 أقلية مع انتقال وليد جنبلاط من معسكر الى آخر، بالتزامن مع نزع نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي قناعيهما، وانضمامهما الى الفريق الذي يوقده "حزب الله" محلياً والنظام في سوريا من الخارج.
بناء على هذا المعطى المركزي، فإن أساس قيام الحكومة الحالية جاء لتمثيل من كنا ولا نزال نعتقد أنهم قتلة رفيق الحريري ورفاقه هنا، وقتلة الشعب السوري هناك، وبالتالي فإنها تعكس حالة شاذة في الحياة السياسية للبنان، حيث أنها تقترب الى حدّ بعيد من فعل مكافأة من قتل رفيق الحريري وسائر شهداء الاستقلال الثاني، ومعهم من يقتلون الشعب السوري راهناً بمنحهم حكومة في لبنان ما فتئت تعمل وفق التوجهات العامة لراعييها المحلي والإقليمي.
هذه حقيقة أقوى من مزاعم نجيب ميقاتي بأنه جاء ليحمي لبنان من انفجار، وهي بالتأكيد أقوى من مزاعمه أنه ليس تابعاً لـ"حزب الله". فالحصيلة النهائية لقيام هذه الحكومة تفيد أن "حزب الله" يحكم البلاد مع مجموعة من القوى الضعيفة في بيئآتها كميقاتي والصفدي، وغيرهما. ونستثني وليد جنبلاط الذي يمثل غالبية ساحقة داخل بيئته، وإن يكن هو في الحقيقة من صنع الأكثرية الجديدة التي على أساسها قامت الحكومة الحالية. من هذه الخلفية ننظر الى مشروع قانون الانتخابات الذي تقدم به وزير الداخلية مروان شربل، او الى تلك الجلبة التي يحدثها بعض الأطراف السياسيين حول قانون انتخابات جديد. ففي الوقت الذي يتعامل فيه نصف اللبنانيين او أكثر مع الحكومة بإعتبارها حكومة انقلابية، ويتعامل معها الخارج العربي والأجنبي على أنها امتداد للنظامين في سوريا وايران، وواجهة محلية لـ"حزب الله" المصنّف ارهابياً في معظم أرجاء العالم، يدور نقاش وجدل غريب جداً حول قانون انتخابات تعد له هذه الحكومة المثقلة بالشوائب والنواقص والعلل، وكأن الدنيا بألف خير، و كأن لبنان الواقع على تماس مع أزمات المنطقة ولا سيما الثورة السورية، والمواجهة العربية – الايرانية المفتوحة، قادر اليوم على البحث في مشروع انتخابات يمكن ان يغير وجهه وطبيعته في أخطر المراحل وأدقها، وذلك بما يمكّن "حزب الله" من استكمال مخططه القاضي بنسف طبيعة الكيان وتركيبته وتوازناته. وقانون الانتخابات الجديد الذي أرسلوه ليمهر بخاتم وزارة الداخلية، والذي اقنعوا الرئيس ميشال سليمان بأنه يدخله معادلة التمثيل الشعبي، هو بالذات حصان طرواده آخر يختبئ وراءه "حزب الله" والنظام في سوريا من أجل التحكم في البلاد نهائياً.
إننا نعتقد، لا بل نؤمن بأن هذه الحكومة غير مؤهلة للبحث في قانون انتخابات جديد، لأنها آيلة الى السقوط. والمطلوب من الذين صنعوا الأكثرية الحالية، عنينا وليد جنبلاط، أن يصحّحوا المسار بالأفعال، أي ان يسقطوا الحكومة قبل أن يدهمهم قانون انتخابات "حزب الله"!