لا يخيّب الآمال ميشال عون. خطواته دائماً متوقّعة سلفاً كما مصطلحاته التي تأتي في مكانها الأليف بالنسبة إليه، وسياساته التي لا تحيد عن نسق لا يختلف، من حيث المبدأ، عن ذلك المعتمد عند الذين يعملون ويشتغلون في الشأن العام، لكنه في المضمون الأكيد مصدره ومنبته هو الشأن الخاص، حتى لو قامت القيامة.
صوته المرتفع كثيراً هذه الأيام لا يدلّ إلاّ إلى خفوت في مكان آخر.. إلى ضمور حساباته وصيرورتها عبئاً، بعد أن كان المؤمل أنّها رخصة مرور إلى أهداف مرتجاة، بينه وبينها سماوات سبع، ومحيطات تسعة، وأساطير لا مكان لها في أي أرض.
يشعر بمرارة مزدوجة صاحب الصوت العالي والأداء الركيك: تحالفاته العابرة كمطر في أيلول، لم تُثمر ما أراده منها محلياً. ورهاناته الاقليمية تكاد أن تعطيه مردوداً يساوي الصفر المكعّب، الذي يشبه الكعكة، التي تشبه الدائرة الفارغة، التي لا تدلّ إن دلّت، إلاّ على خواء ما بعده خواء.
يزداد الصلف بمقدار ازدياد الخيبات والنكسات وطول زمن الانتظارات. ويزداد التوتر بمقدار ازدياد الأصفار التي على شمالها صفر مثلها، وحاصل جمعها مهما كثرت لا يختلف عن العدم. يُدير صوته في كل اتجاه، وتدور أناه حول ذاتها. وهذه لن تجد قبالتها، بعد قليل من الآن، أو بعد ظهر ثلثاء ما، أو ثورة ما، أو تحالف سابق ما، أو أكثرية سابقة ما، لن تجد إلاّ مرآة مرشّحة للكسر والتفتّت. وفي ذلك قمّة العدل إن استقام منطق الحساب والمحاسبة، وظلّ العقل مؤهّلاً للسيادة، وظلّت الغريزة بعد ذلك في مكانها لا تنتج إلاّ شططاً ولا تولّد إلاّ أفعال ندامة مدرارة.
فائض خيباته لا يعوّضه صليل صوته النافر، ولا زوغان العيون، ولا مروحة مدفعيته البلاغيّة والتوعديّة الدائرة على القريب والبعيد، والتي لم يعد أحد بقادر على وضعها في أي خانة خارج نطاق الهوس، وخارج نطاق الأداء التخريبي المحض.. وهذا تبعاته ونتائجه لا تختفي وراء كثافة التمويه والشطارة في البلف.. والفعلان أساساً صادران عن خانة يأس مغلّف بمرارة أكبر من البحر.
وحيداً يقف في مكانه. متماهياً مع سيرة مَنْ وجد في الشتيمة علاجاً لغضبه، وتنفيساً عن كبته، وتعويضاً عن خسران مُبين. ومَنْ يرى خريفه ممعناً في الأصفر، والشتاء من بعده: أفول لا رادّ له.
ضليع في الغريزة. غرٌ في العقل. يدّعي السياسة ويحترف الأحقاد. يحكي في الكبائر ويشتغل في الصغائر. يتلحّف الممانعة ويُمعن في احتضان المُدان بالعمالة والجاسوسية. يتغنّى بالحق والعدل ويمضغ علكة الافتراء والتجنّي. يدقّ على وتر الفساد، وعُوده خشب منخور بسوسة سوداء. ينادي بالتغيير ويصمّ أذنيه عن ثورات مُجلجلة..
صفحة من كتاب ملتبس، يستبدله ربيع العرب بوضوح، بيان حبره حرٌ كأحرار لبنان والعرب، ووعده أكيد كالشمس الدائرة في مستقرّ لها