في توقيت متحوّل إقليميّا وعربيّا تسلّم الأمير نايف بن عبد العزيز موقع ولاية العهد في المملكة العربية السعودية مفتتحا على الأرجح خطّا جديدا في مقاربة الموقف السعودي ممّا يجري في العالم العربي.
وإذا كان هناك إجماع على وصف وليّ العهد الجديد بالرجل القوي للمملكة نظرا لقِدم تمرّسه بالملفّ الأمني، وخصوصا في مرحلة اجتثاث قاعدة بن لادن الذي خرج عن الطاعة الأميركية والسعودية بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، وأصبح يشكّل تهديدا للسعودية ترجم من خلال استهداف آبار النفط وأماكن وجود الرعايا الغربيّين، فإنّ من غير المعروف الى الآن ماذا ستكون عليه السياسة السعودية التي تخشى بصمت المتغيّرات الحاصلة في العالم العربي، والتي تجاهر تجديد مكمن الخطر من إيران على سلامة الخليج ودوله التي تفتقر معظمها الى أدوات الحماية الذاتيّة في وجه خصم قويّ وقادر على تجنيد حلفاء داخل السعودية والبحرين واليمن والعراق ولبنان، تماماً كما هو قادر على مَدّ جسور التعاون مع حركات إسلامية سنّية كحماس والجهاد الإسلامي وبعض الإخوان المسلمين في مصر والعراق وحتى في سوريا.
وإذا كان الدور الذي سيلعبه الأمير نايف بن عبد العزيز لن تتوضّح معالمه في ظلّ وجود الملك عبدالله وممارسته لدور القيادة، فإنّ من غير المستبعد في حال حصول أيّ طارئ ان يمسك وليّ العهد بصلاحيّات الملك، تماما كما حصل مع الملك الحاليّ الذي مارس سلطات ملكيّة شبه كاملة نتجت عن عدم قدرة الملك فهد على القيام بمهامّه للأسباب الصحّية المعروفة.
ويشبه تولّي وليّ العهد للمسؤوليّة الجديدة إبحاراً لسفينة في بحر هائج بالنسبة إلى ما يتعلّق بالعائلة الحاكمة في المملكة، وبما يفترض من أدوار تنتظر اتّخاذ القرار المناسب، خصوصا في المسألة الإيرانيّة.
ففي الوضع الداخلي، لا يزال الأمير نايف يمسك بمسؤوليّة وزارة الداخليّة، وهو على الأرجح سيستمرّ بحملها الى جانب موقعه كوليّ للعهد، هذا فيما لم تحسم بعد خلافة الأمير سلطان في وزارة الدفاع مع مطالبة أبنائه بتولّي أحدهم هذه الوزارة المهمّة، ومع مطالبة الابن الأبرز بندر بن سلطان بالانتقال الى وزارة الخارجية، وقد كانت هذه المطالبات من أبناء سلطان شرطا للموافقة على مبايعة نايف لولاية العهد ضمانا للاستقرار والتوازن بين مكوّنات العائلة.
وبشكل مواز للانتقال في السلطة من الأب الى أحد الأبناء في وزارة الدفاع السعودية، تطرح أيضا مسألة وزارة الخارجية في ظلّ المتاعب الصحّية التي يعاني منها الأمير سعود الفيصل، وهذا الفرع من العائلة يريد أن يضمن بقاء الخارجيّة في يده وفق قاعدة تقسيم تولّي الوزارات وفق أعراف محدّدة وثوابت، وهو ما يعني أنّ أبناء الملك فيصل لا يحبّذون تولّي الأمير عبد العزيز بن عبدالله وزارة الخارجية مستقبَلا، بحكم أنّ والده الملك عيّنه نائباً لوزير الخارجية منذ أمد قصير.
وبانتظار معرفة حجم التغيير الذي سيطرأ على السياسة السعودية في المرحلة المقبلة، فإنّ خطوطا عدّة كمسار هذه السياسة يمكن توقّعها منذ الآن، على شكل متشدّد مع إيران ومزيد من دعم الثورة السوريّة وإعادة قراءة للتعامل مع الملفّين اللبناني والعراقي، بما يدعم منطق المواجهة مع التمدّد الايراني، ويمكن من خلال استمرار صَدّ الرئيس نجيب ميقاتي والتركيز على دعم الرئيس الحريري فهم المزيد من التوجّه السعودي بعد استلام نايف ولاية العهد، وقد كانت معبّرة كثيرا المصالحة التي جرت منذ شهر بين الحريري ووليّ العهد السعودي وابنه بعد تسريب وثائق لجنة التحقيق الدوليّة، حيث رفض الأمير نايف عرضا حريريّا بالاعتذار العلَني وطوى الصفحة مؤكّدا دعمه للحريري ولقوى 14 آذار، وهذا ما يؤشّر إلى أنّ مرحلة السين سين وما تخلّلها من أخطاء سعوديّة في إدارة ملفّ العلاقة مع سوريا، وبما أسفر عنه من نتائج لبنانيّة، قد طويت لتبدأ معها مرحلة جديدة ستطبع السياسة الخارجية السعوديّة بطابع جديد.