#dfp #adsense

عن أي ممانعة يتحدث نصرالله؟

حجم الخط

"كفانا نفاقاً فما نفعه كل هذا العناق فنحن انتهينا وكل الحكايا التي قد حكينا نفاق نفاق" نزار قباني


عريضة موثقة في سجلات وزارة الخارجية الفرنسية تحت رقم 3547 بتاريخ 15/6/1936 موجهة الى "ليون بلوم" رئيس الحكومة الفرنسية:

"إن الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله سنة فسنة بكثير من الغيرة والتضحيات الكبيرة في النفوس هو شعب يختلف بمعتقداته الدينية وعاداته وتاريخه عن الشعب المسلم، ولم يحدث في يوم من الأيام أن خضع لسلطة من الداخل.

إننا نلمس اليوم كيف أن مواطني دمشق يرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على عدم إرسال المواد الغذائية لإخوانهم اليهود الطيبين الذين لجأوا الى العرب المسلمين بالحضارة والسلام، ونشروا على أرض فلسطين الذهب والرفاه ولم يوقعوا الأذى بأحد ولم يأخذوا شيئاً بالقوة، ومع ذلك أعلن المسلمون ضدهم الحرب المقدسة على الرغم من وجود إنكلترا في فلسطين وفرنسا في سوريا.

إننا نقدر نبل الشعور الذي يحملكم على الدفاع عن الشعب السوري ورغبته في تحقيق استقلاله، ولكن سوريا لا تزال بعيدة عن هذا الهدف الشريف خاضعة لروح الإقطاعية الدينية للمسلمين. ونحن الشعب العلوي الذي مثله الموقعون على هذه المذكرة نستعرض حكومة فرنسا ضماناً لحريته واستقلاله، ويضع بين يديها مصيره ومستقبله وهو واثق أنه لا بد أن يجد لديهم سنداً قوياً لشعب علوي صديق قدم لفرنسا خدمات عظيمة".

لقد قمت بعرض هذه الوثيقة المعروفة والمنسوبة الى بعض الوجهاء العلويين في سوريا، ويقال أن والد حافظ الأسد كان من ضمنهم، ليس للإمعان في الاتهامات ذات الخلفية المذهبية، ولكن للتأكيد على أن تماهياً ما كان قد خطر ببال بعض من وجوه الأقليات الدينية في المنطقة مع المشروع الصهيوني، وقد يكون أيضاً لهذا الفكر مسوغاته التاريخية، فلم يكن العالم في الشرق وفي الغرب واحة لتعدد الأفكار والمعتقدات، ولطالما تعرضت الكثير من الشعوب لتجارب مريرة على خلفية هذا النوع من الصراعات. ولكن تفكيراً كهذا لدى نخب في مجتمع معين، لا بد أن يكون ترك آثاره في وعي الكثيرين من أبناء هذا المجتمع، وتعابير السخرية من قضية فلسطين تتردد في ستينات القرن العشرين في كثير من البيوت والعائلات التي كانت أو أصبحت لاحقاً في موقع القرار في نظام حزب البعث أولاً ومن ثم في نظام عائلة الأسد.

كل هذه المقدمة الطويلة أتت لتقول بأن وصف نظام "بالممانع" أو "المقاوم" أو غيره من الصفات الديماغوجية، يجب أن يستند الى وقائع تاريخية، أو بطولات معينة أو إنجازات على المستوى العسكري أو حتى الديبلوماسي أو السياسي.

وإذا عدنا الى تاريخ النظام البعثي السوري الذي انطلق سنة 1963، نرى أن هذا النظام انشغل في بدايته بالتذابح الداخلي الذي أدى الى تطيير النخب العسكرية من الجيش العربي السوري مما ساهم في انكشاف سوريا عسكرياً وأدى بالتالي الى هزيمة حزيران 1967. وهنا أذكر قول أحد أركان هذا النظام بعد احتلال الجولان حين صرح بأن سوريا انتصرت لأن إسرائيل لم تتمكن من القضاء على النظام!

وأنا لا أريد أن أدخل في نظرية المؤامرة وخيالاتها في الحديث على أن زمرة من القيادات سلمت الجولان الى العدو، فعقلي لا يقبل حتى هذا الاحتمال، ولكن المنطق كان يقول أن على هذه القيادة التي حصلت الهزيمة على عهدها أن تستقيل لفشلها في حماية سوريا من العدوان. ولكن بدلاً من ذلك فقد استمر أركان هذا النظام في صراعهم الداخلي الذي أدى الى تدهور أوضاع سوريا على مختلف المستويات. كان هذا الى أن حصلت "الحركة التصحيحية" التي أدخلت سوريا في عهد عائلة الأسد سنة 1970.

ومن المقولات المضحكة التي يسوقها نظام الأسد هي أن هذا النظام أمن استقرار سوريا السياسي والاقتصادي من خلال ديمومة الحكم. ولكن لو راجعنا الأحداث التي مرت على سوريا في سبعينات وثمانينات القرن العشرين لكان من الواضح أنه كانت بعيدة كل البعد عن الاستقرار على الرغم من سياسة القمع الدموي التي مارسها النظام للمحافظة على وجوده، منذ إعلان الدستور الجديد سنة 1973، الى قمع الاخوان المسلمين والمجازر الملحقة بهذا الملف في تدمر وحماه وحلب ودمشق وجسر الشغور، الى قمع مشاريع الانقلابات ومن ضمنها ما دبره الأخ اللدود رفعت الأسد. كل هذا ساهم في إضعاف سوريا على مختلف المستويات التي بقي رئيسها يقاوم ويمانع على المنابر كلما دعت الحاجة الى خطاب طنّان رنّان في أدبيات العروبة والوحدة والحرية والاشتراكية.

ولكن على الجبهة، وبعد فترة قصيرة من حرب الاستنزاف، فقد تحول الجولان المحتل ليصبح أكثر المواقع سلاماً في عالمنا المضطرب بعد هدية العدو للنظام الذي انسحب من مدينة القنيطرة الساقطة عسكرياً بحكم الواقع الجغرافي، ولكن أعطى لنظام الأسد الفرصة للاحتفال، في وقت أفرج عن عدد من العملاء الإسرائيليين المعتقلين في سوريا بقرار جمهوري لم يعرف إلا لاحقاً.

لقد دخل بعدها هذا النظام في حوار ملتبس مع الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي إسرائيل، من خلال وزير الخارجية الأميركي "هنري كيسنجر" الذي أرسى لتفاهمات قد تكون البديل السوري لاتفاقات "كمب ديفيد". وقد غطى هذا التفاهم السوري الأميركي الإسرائيلي الاحتلال الطويل للبنان تحت ستار قوات الردع العربية. وأعاد هذا الاتفاق تجديد نفسه بعد مشاركة النظام في حرب "عاصفة الصحراء" الى جانب القوات الأميركية بعد احتلال الكويت.

وللحديث عن بطولات هذا النظام فنحن نذكر كيف انسحبت قواته سريعاً أمام الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، وكيف تساقطت الطائرات في البقاع. ولكن هذا النظام فعل ما هو بارع به وهو إتمام ما بدأه العدو الإسرائيلي في الجنوب وبيروت بضرب منظمة التحرير الفلسطينية من خلال الإجهاز على المقاومة الفلسطينية في البقاع والشمال ولاحقاً من خلال شبيحة حركة أمل الذين حاصروا مخيمات بيروت الفلسطينية.

طبعاً ناهيك عن المحادثات السرية والعلنية والمستمرة بين النظام السوري وإسرائيل والذي دفع الكثيرين الى القناعة بأن إسرائيل هي المدافع الأول عن وجود نظام عائلة الأسد والقرائن هنا لا تعد ولا تحصى.

ويأتي رغم كل ذلك أمين عام حزب ولاية الفقيه ليقول إن نظام الأسد هو مقاوم وممانع، وهو أعرف العارفين بزيف هذا الادعاء.

إن ما يجمع النظامين السوري والإيراني هو حلف الضرورة، فإيران بحاجة لبوابتها الى لبنان، والنظام السوري يحتاج الى حلفاء مرهونين له ليضمن استمراره ومن ضمن هؤلاء الحلفاء الى جانب إسرائيل فهو نظام وتشعبات ولاية الفقيه، فعن أي ممانعة يتحدث نصرالله؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل