أين لبنان اليوم منذ "القيامة الأولى"، ماذا تحقق وماذا لم يتحقق؟ فلنعتبر أن الماضي مضى والكل يعرف أن تاريخنا تواريخ. ربما نعمة أن نتجادل حول وقائع نريدها بياضا ناصعا من جهتنا وسوادا حالكا من جهة الأخرين. لكن غريبا كم أن نقمة موقعنا تجعلنا صيدا ثمينا لكل صاحب برنامجا أو مشروعا، فيمر الكل من هنا أو بالأحرى يمرر هذا الكل ما يريد في هذا البلد الصغير.
لم ننجح في بناء إلا دولة "جيْبتي" فما بعد الحرب اللبنانية – اللبنانية بمعايير خارجية وداخلية في آن معا، كانت بداية نهاية الحالة اللبنانية من وإلى لبنان. المبايعة السورية للبنان أسقطت من حاكمي لبنان مفهوم الدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة. فسقط قصدا عند ليس الوصاية السورية بل "الوقاية" السورية فأصبح سهوا عند الأخرين. أحسنت "الوقاية" السورية أن تمرّن عقول، "نصوص ونفوس" أصحاب الشهوة السلطوية ليصبحوا عبيدا للمال أكان عاما، حراما، وبكل أسف "نظيفا".
كما في الحروب العسكرية، كذلك في الحروب النفسية، الهيمنة السورية على القرار اللبناني وعهد "الوقاية" السورية جعلته لا يريد ولا يفهم كيف نبني سياسة خارجية أو إقتصاد منتج أو عمل مؤسسات يضاهي معايير التمثيل والإنتاجية في آن معا. فأصبح "الحرامي" في لبنان له من يحميه كما درجت العادة لكن هذه المرة مغلّفة، مقوننة، وجاهزة للإستعمال أوالأصح لإستقبال وجوه وأصحاب التزلم، المحاصصة، الزبائنية أي "معالي" الحسابات المنفعية.
تدحرج السوري من لبنان بعد سيل من الدماء والشهداء من كل صوب وصولا إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإلى كل قطرة دم من المقاومين "الآذاريين" الأبرار. لكن ما لم ندركه حينا، أدركناه لاحقا فلا الظروف الدولية، ولا المعادلات الأقليمية ولا التحالفات الداخلية ستعطي نتيجة مرجوة بأستقلال موعود لا نملك الحقيقة بإمتلاكه. لا شك بأن حقنا أن نعيش عيشا كريما ورأسنا مرفوع. لكن كيف ذلك؟ سوريا لم تخسر عندما خرجت من لبنان ولن تخسر بكل أسف لأن حاليا دماء أحرارها تهدر في الساحات. وذلك لأنها من ناحية العلاقات الدولية، الواقع الأمني المحلي والأقليمي وطبعا من خَرّجتهم في الحرب اللبنانية والفترة الإستنزافية التمرينية والوقائية عند وصايتها فتملك نتيجة لذلك أوراقا كثيرة.
فمنذ سنة 2005 أصبح الخطاب السياسي اللبناني عقيما وكأنّ أحدنا من المريخ، أو الآخر من القمر، ولا أحد منّا لبناني بلدي 100%. قمة الأنا تتمحور عندما أصبحت لدى كل طائفة "طايفة الدني" بخطابات رنانة، إدعاءات هدامة، وحرب تموز و7 أيار "المجيد" وصولا إلى إنقلاب "القمصان السود". فخسر لبنان ببساطة قدرته الإنتاجية والتصريفية، حصار داخلي وخارجي، لا صناعة ولا زراعة وخدمات سياحية ومالية دائما في مهب ريح الإستقرار والإستقلال.
قمم الأنا ليست كثيرة كما يعتقد كثيرون بل حقيقة واحدة مفقودة منذ الرئاسة الأولى وأربعينيات القرن الماضي، فنريد فقط أن نعرف لما نموت ولا يحيا لبنان، أهو مجرد قصر نظر، أم لا نريد أن نسقط من قمم الأنا لأنها تجعلنا بعيدين عن الناس لأنهم في الأسفل وهم أصحاب الأنا يكونوا قريبين من الله فيأخذون دوره. الحزب اللبناني الوحيد المطلوب على كل شبر من الأراضي اللبنانية يعمل من وإلى لبنان من أجل لبنان. نسينا في مجتمعنا كيف أن نحب بعضنا وأصبحنا بعلمنا أو بغير علمنا دوائر إستقواء تتدرج صعودا ونزولا ومثالنا الأعلى حزب لا يعتبر لاسا، محكمة دولية والمقاومين "القديسين"، حدود إلا الحدود الجنوبية، الخطف في ومن لبنان، حكومة حالية لا حكمة أو حوْكمة فيها، شبكات إتصالات وأمور أخرى مشكوك في أمرها، إلا سبيلا للحرب الكبرى فتلك بعيدة كل البعد عن حرب داخلية دولتية تكون في المقام الأول.
في الختام، في التطبيق جلّ من لا يخطأ لكن ما نحتاجه فقط فرضية واحدة ومتكاملة فهل تكون دولة من دون مرجعية واحدة ومسائلة فعلية؟ هل تكون دولة من دون إقتصاد دولة؟ هل تكون دولة من دون قبائلية أو عائلية أو طائفية، أو حتى مجرد طائفة لكل الفساد وأصحاب المصالح؟ السقوط عن كل هذه القمم يكون ثروة في الثورة وليس كما يفعل الفريق الآخر ثورة من دون ثروة عقلية، مالية، وتنظيمية تشكل رادعا وبداية الإنتصارات الفعلية بعيدا عن عبث داخلي، أو بعثيون على طريقة العائلة الحاكمة في سوريا، أو أفراح السلاح في أتراح الداخل، فيبقى 10452 كلم2 نقطة إنطلاق صوب "10452" عدد كل مرة نقول فيها لا لأنانية مكتسبة على حساب المصلحة العامة، الطبقة الوسطى، الإنماء، ولا ننسى في النهاية مشاريع المال النظيف أو تنظيف لبنان من لبنانيته كرمة لعيون وحسابات الآخرين.