كتب حبيب شلوق في صحيفة "النهار": نقل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي باسم مجلس بطاركة الكاثوليك ومجلس الأساقفة الكاثوليك، وبطريرك السريان الكاثوليك إغناطيوس يوسف الثالث يونان هواجس مسيحيي الشرق وما يعتريهم من قلق على المصير، الى نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي، الذي استقبلهم لوجود الرئيس العراقي جلال طالباني خارج البلاد، وحملوا منه تطميناً الى أن المسيحيين في العراق هم "جزء من النسيج الوطني، وسندافع عن هذا الجزء من النسيج كما ندافع عن أي جزء آخر لأن الدستور وضع كل العراقيين على المستوى نفسه"، مؤكداً أن "لا خوف ولا قلق على أي مكوّن من مكونات هذا النسيج".
اللقاء عقد قبل ظهر أمس في مقر نائب رئيس الجمهورية في المنطقة الخضراء ببغداد المحصنة عراقياً وأميركياً، وحضره، الى الراعي ويونان، المطارنة كميل زيدان وأنطوان بيلوني ويوسف عبّا وبطرس موشي ومتى متوكا، والمونسنيور جورج مصري وكهنة، والقائم بالأعمال اللبناني هزاع شريف، واستمر ساعة ونصف ساعة، وسجّلت "النهار" أبرز ما دار فيه.
استهل الإجتماع بكلمة للبطريرك الراعي حيّاً فيها نائب الرئيس على استقباله ، وقال "اننا نتطلّع الى عراق متعافٍ، بعدما ذاق معاناة قاسية، نتطلّع اليه وطن الثقافة والحرية والسلام". واشار الى أن الرئيس اللبناني "حمّلني اليكم تمنياً بالخير والإزدهار والبركة". وشكر البطريرك يونان الذي أتاح له هذه الزيارة.
ورد يونان: "إنها زيارة تاريخية يعتز بها السريان الكاثوليك والمسيحيون والعراقيون عموماً".
وقال الهاشمي: "إن وجودكم يسعدنا واستقبالكم جزء من الوفاء للشعب المسيحي الذي هو جزء من النسيج الإجتماعي العراقي الذي يضم اليزيدي والسني والشيعي والكردي والمسيحي. إن هذا النسيج حديقة كما يسميه سيادة رئيس الجمهورية، إنه مشتل. صحيح أن اللون الأبيض مثلاً جميل ولكن الأبيض والأحمر والأصفر أكثر جمالاً. لقد خلق الله هذا النسيج ولسنا نحن مَن خلقه، ولذا على البشر الإفادة منه. لقد حصلت نزاعات شريرة، وتعرّض اخواننا المسيحيون بسبب معتقدهم، ولكن سبقهم في ذلك الشيعة والسنة، بل أقول أكثر من ذلك إن عائلتي تعرضت للإستهداف وقتلت فيها إمرأة، لقد وصلت السكين الى منزلي. نعم نائب رئيس الجمهورية في مثل هذه الحال لم يتمكّن من حماية أهله، لأن امن الوطن كان يأخذنا. صحيح أن متطرفين مسلمين استهدفوا المسيحيين ولكنهم هم استهدفوا السنة والشيعة".
وأضاف أن "ما نريده هو أن يذهب المسيحي الى الكنيسة ويمارس طقوسه بكل حرية ويعود الى منزله مرتاحاً"، لافتاً الى أن الدستور وضع كل العراقيين على المستوى نفسه، "صحيح أن دين الدولة هو الإسلام، ولكنه وضع قياساً واحداً لكل العراقيين". وأكد أن "لا خوف ولا قلق على أي مكوّن من مكونات هذا الشعب (…) الكل دفع الثمن والتفجيرات حصلت في مدينة الصدر، ناس أبرياء فقراء حصدتهم هذه التفجيرات وهم يخرجون من بيوتهم طلباً للرزق إذ عادوا جثثاً. وهذا حصل في سيدة النجاة وقبلها في نينوى. هذا ليس عدلاً. إنه إرهاب لم يكن يوماً في العراق إنما هو دخل عبر الحدود. إننا نعمل ما نستطيع لتوفير الأمن لكل عراقي من أي مكوّن كان".
واشار الى أنه التقى شخصيات أجنبية وآلمه حديثهم من باب الحرص على المسيحيين، وقال: "إننا حرصاء على المسيحيين الذين وجدوا مع المسلمين في العراق منذ آلاف السنين، وحرصاء على دولة المؤسسات في هذا البلد، وليعلم الغرب أن ليس في مصلحة البشرية تفريغ العراق من المسيحيين".
الراعي: "ثمة مشكلة هي مَن هاجر وكيف السبيل الى عودته الى دياره؟". الهاشمي: "أهلاً وسهلاً بهم في بلدهم، فهم أبناء البلد وسنسعى الى حمايتهم. وأرى ضرورة التوحد والتكاتف وعدم الإنكفاء. ثمة مسيحيون تعرضوا ورجال دين منهم ومن السنة والشيعة. كما استهدف محامون وبعدهم أطباء ثم مهندسون".
الراعي: "وماذا عن القلق الذي يساورهم؟".
الهاشمي: "لقد أخطأ الأميركيون استراتيجياً بتفكيك المؤسسة العسكرية. صحيح أن ثمة خروقاً ومآخذ كانت في المؤسسة ولكن لا يمكن دولة القيام بدون أساس يحميها وترتكز عليه. لقد نبّهناهم ولكننا لم نلقَ جواباً. يجب بناء جيش وطني الولاء وحكومة مدنية قائمة على الحق والعدل. والأميركان ليسوا صمام أمان لبلد آمن مئة في المئة، وبناء الدول أكثر صعوبة من تفكيك أنظمة شمولية".
وتحدث يونان شارحاً أوضاع السريان وحنانهم الدائم الى أرضهم، وقال إن "الهجرة كانت قوية ولا نريد أن تستمر، والمطلوب من الدولة عملية مسؤولة تشجّع أولادنا على العودة".
ثم تحدث الراعي عن إمكان عقد قمة روحية شرق أوسطية، وسأل هل يمكن أن تعطي دفعاً؟
الهاشمي: "طبعاً طبعاً، ينبغي التعاون لوقف القتل العشوائي، والصبر والتمسك بالأرض".
ودعا يونان الى خطاب ديني جديد غير استفزازي يقال في الكنائس والمساجد، والأخذ في الإعتبار امكان أن يكون في جيرة الكنيسة أو المسجد مَن هم من دين آخر. "ينبغي عدم الإستفزاز والتكفير".
الهاشمي: "في بعض الأحيان يكون التصرف فردياً أو من قلّة. ثم أنا مُستهدف ومُكفّر. المشكلة تتعلّق بالتعصب. ثمة فئة لا تريد أحداً، وحتى إنها لاتريد المسلم. وأكرر، المشكلة جاءت عبر الحدود".
وألقى مطران الموصل بطرس موشي كلمة اتسمت بصراحة واضحة ودعا الى ايجاد سبل تعيد النازحين وتشجيع المسيحيين على المشاركة في الدولة.
الهاشمي: "لديكم ككنائس منافذ على العالم كله، ونطلب منكم أن تحضوا الدول على مساعدة العراق ليسير أكثر فأكثر صوب الإستقرار، وليظل بلد قبول الآخر. أنا أرفض أن تكون طائفة هنا وطائفة هناك. أنا لا استسيغ ما هو حاصل في لبنان: في الجبل موارنة ومسيحيون، في الضاحية شيعة، وهناك طرابلس". وأضاف: "ندعو المسيحيين الى التمسك بأرضهم والبقاء فيها والمهاجرين الى العودة، وما يصيبهم يصيبنا وحمايتهم من حمايتنا. نحن شعب واحد ومستشاري وكاتم أسراري الموجود بينكم في الإجتماع، مسيحي. لدينا ثروات كثيرة ترضي الجميع، والمهم مساعدة المجتمع الدولي لنا للنهوض بسرعة".
وتحدث القائم بالأعمال هزاع شريف مثنياً على انفتاح العراقيين وابتعادهم عن التعصب " وهذا ما لمسته طوال وجودي هنا". ثم نوّه البطريرك الراعي بنائب الرئيس العراقي "رجل الدولة الذي يحمل صوتنا والذي يتحسّس ما يتعرض له العراقيون عموماً والمسيحيون خصوصاً"، وقال: "لا معنى لأوطاننا إذا فقدت التنوع في الوحدة".
وبعد الظهر، استقبل الراعي وزيرة الهجرة السابقة باسكال ورده، وعرض معها الأوضاع. واليوم يختتم زيارته للعراق ويعود الى بيروت.
* ورد خطأ مطبعي في "نهار" أمس أن عدد شهداء مجزرة كاتدرائية سيدة النجاة هو 35 شهيداً. والصحيح هو 47 شهيداً بينهم الكاهنان ثائر عبدال ووسيم القس بطرس.