كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء": في الثاني من آذار من العام 2006 أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري مبادرته الحوارية من البرلمان بعد أن شعر أن البلاد تقف على عتبة الانزلاق إلى المجهول بفعل انسداد الأفق أمام حلول للمواضيع الخلافية التي بلغت أرفع منسوب لها في ذاك الوقت وكادت تؤدي إلى فتنة داخلية تأكل البشر والحجر.
أولى جلسات الحوار انعقدت في ذلك اليوم في الطبقة الثالثة من مجلس النواب حيث وضعت طاولة بيضاوية الشكل تحلق حولها قيادات سياسية من 8 و14 آذار وجهاً لوجه، ووضع على جدول الأعمال مختلف المواضيع الخلافية، فتم التفاهم على عدد منها في جلسات متتالية وعُلّق البعض الآخر بفعل العدوان الذي شنّته اسرائيل في الثاني عشر من تموز من نفس العام على لبنان، حيث أرجأت جلسة الحوار التي كانت محددة في الخامس والعشرين من آب.
لم ييأس رئيس المجلس من الاستمرار في مسعاه الرامي إلى إطفاء الحريق الذي بات يهدد الجميع، فعاد ودعا المتحاورين إلى جلسة للتشاور في السابع من شهر تشرين في العام 2006، فانعقدت هذه الجلسة واستكمل البحث في ما تبقى من بنود على جدول الأعمال وسط مناخات لا توحي بإمكانية الوصول الى حل، هذه المناخات غير المريحة أدت إلى توقف جلسات التشاور في 13/11/2006، وحلّ محل التشاور التراشق الكلامي الذي سرعان ما انعكس على الشارع الذي وصل إلى مرحلة من الاحتقان بات معها الجميع خائف من انفلات الأمور من عقالها وهكذا حصل في السابع من أيار في العام 2008.
في ظل الانقسام العامودي والأفقي الذي ساد البلاد أجرى الرئيس بري سلسلة من الاتصالات واللقاءات مع رئيس الجمهورية أفضت إلى إطلاق الأخير دعوة لعقد هيئة الحوار في قصر بعبدا إستثني البعض وأُضيف آخر وفق معايير سياسية معينة تتوافق والأجواء السياسية السائدة، ولقيت دعوة الرئيس ميشال سليمان ترحيباً ممن وصلتهم الدعوات، وتشكيكاً ممن أُبعدوا عن الطاولة، غير أن ذلك لم يغيّر موقف رئيس الجمهورية الذي حدد الجلسة الأولى لهيئة الحوار في السادس عشر من أيلول في العام 2008 وكان على جدول الأعمال الاستراتيجية الدفاعية ومن ضمنها سلاح "حزب الله" وقدم كل فريق الاستراتيجية التي يراها مناسبة، وعقدت عدة جلسات إلى أن كانت الجلسة الأخيرة في الخامس من تشرين الثاني في العام 2010.
في الفترة الفاصلة ما بين آخر جلسة لهيئة الحوار حتى اليوم مرّت البلاد باستحقاقات مختلفة زادت الشرخ السياسي اتساعاً وتوّج ذلك في استقالة وزراء 8 آذار من الحكومة مما أدى إلى إسقاطها لتتحوّل بذلك الأكثرية إلى أقلية والعكس كذلك مع انحياز النائب وليد جنبلاط وبعض نواب تكتله إلى جانب المعارضة السابقة، فشكّلت الحكومة الحالية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي وامتنع عن المشاركة فيها فريق المعارضة الجديدة، وهو ما أدى إلى تكريس الانقسام وحضور الخلاف في أي موضوع يُطرح.
أمام هذا الوضع السياسي المأزوم وغياب أي مؤشرات توحي بإمكانية المعالجة عن بُعد وعبر التراشق عن طريق وسائل الإعلام، عقد الرئيس بري خلوة مع نفسه ورأى أنه لا بد من إعادة إحياء الحوار الذي وحده قادر على تطويق المشاكل الحاصلة والحؤول دون انفلات الأمور على غاربها، فأجرى مروحة من الاتصالات مع الأقربين والأبعدين وصارحهم برغبته الحوارية فلقي تشجيعاً من البعض وعدم مبالاة من البعض الآخر.
ومن المنتظر أن يتوجّه الرئيس بري إلى قصر بعبدا قبل عطلة عيد الأضحى المبارك لوضع رئيس الجمهورية في ما يملك من معطيات تحمله على الدعوة إلى إعادة إطلاق الحوار في ظل الظروف المحلية والإقليمية الدقيقة التي باتت تحتاج إلى تلاقي الأفرقاء السياسيين للنأي بلبنان عن أية تداعيات محتملة، والحؤول في الوقت نفسه دون انعكاس التشنج الحاصل بين القوى السياسية الذي تُرجم في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب حيث وصلت الأمور إلى حدّ الكباش بالأيدي وكذلك في اجتماعات اللجان التي تتحوّل في بعض الأحيان إلى مبارزة في تبادل الشتائم والعبارات النابية والاتهامات والتهديدات.
ووفق مصادر متابعة، أن الوضع السياسي السائد حالياً مختلف عن ذاك الوضع الذي كانت تعقد فيه جلسات الحوار وهو ما يعني أن مثل هذه الدعوة لا تكون سهلة التحقيق حيث أن هناك خلافات جوهرية بين القوى السياسية، أولاً على شكل الحوار وثانياً على المواضيع التي ستُدرج على جدول الأعمال، مما يعني أن طبخة الحوار يلزمها المزيد من الوقت لكي تنضج، وإلا سيكون مصير أي جلسة الفشل الذي سيكون مردوده السلبي على الوضع العام قاسياً ومكلفاً.