#dfp #adsense

جنبلاط يعود إلى ربيع بيروت من بوّابة الربيع العربي

حجم الخط

أن يعلن النائب وليد جنبلاط "رفضه منطق التوريث" وأنّه "ترشّح لرئاسة الحزب "التقدّمي الاشتراكي" للمرّة الأخيرة" مسألة تفصيليّة، لأنّ توجّهات الجماعة الدرزيّة ستبقى مرتبطة بتوجّهات المختارة، أكان سيّدها رئيسا لهذا الحزب أم عضوا عاديّا داخله، خصوصا أنّ جنبلاط لم يتردّد بالتشديد "أنّ موضوع زعامة المختارة والمقعد النيابيّ أمر عائليّ وخاص".

فالأساس إذاً، هو من يقود الطائفة بمعزل عن صفته الحزبيّة أو الزعاماتيّة، وفي هذه الحال يتحوّل الحزب إلى إطار للمنافسة الداخليّة والتمرّس السياسيّ وتجديد النخب الحزبيّة داخل الطائفة الدرزيّة، وفي هذا السياق يُسجَّل لجنبلاط اختياره الأفضل والأكفأ بين محازبيه لتولّي المناصب الوزاريّة والنيابيّة، كما يُسجَّل له قدرته على "إنتاج" كادرات سياسيّة مسيَّسة حتى العظم، وقد أوصلت الانتخابات الأخيرة إلى مجلس قيادة الحزب قياديّين شباب كانت لهم أدوار طليعيّة في ثورة الأرز، وتمّ استبعادهم بعد أيّار 2008 ليعاد الاعتبار لهم في الانتخابات الأخيرة.

كما أنّ المهمّ اليوم ليس إعلان جنبلاط عدم ترشّحه مجدّدا على رئاسة الحزب، فهذا شأن داخليّ اشتراكي-درزيّ، خصوصا أنّ "التقدّمي" لن يتحوّل إلى حزب عابر للطوائف، أقلّه في المدى المنظور، ليكون محطّ اهتمام اللبنانيّين ومتابعتهم، وبالتالي، المهمّ هو الموقف السياسيّ لرئيس الحزب الذي يشكّل "بيضة القبّان" التي ترجّح كفّة على أخرى في ظلّ الانقسام العموديّ القائم في لبنان، لأنّ خروجه من 14 آذار أخرج طائفة بأكملها من الخيار السياديّ لتلتحق، بشكل أو بآخر، بخيارات الجزء الأكبر من الطائفة الشيعيّة وقسم من المسيحيّين، عِلما أنّه للمرّة الأولى في تاريخ الجماعة الدرزيّة لم يتمكّن النائب وليد جنبلاط من إقناع طائفته بالموقع السياسيّ الذي رسمه لنفسه في 2 آب 2009.

ومع هبوب رياح الربيع العربي الذي يسجّل لجنبلاط أيضا أنّه كان من أوائل الذين استشعروا أهمّية هذه الثورات الكفيلة وحدها صناعة التغيير في العالم العربي، حاول القفز فوق الانقسام القائم بين 8 و14 آذار بتأييد هذه الثورات والإبقاء في الوقت نفسه على تموضعه السياسيّ في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ولا تفسير لهذا التناقض بين الموقفين سوى خشيته من الاغتيال السياسيّ في أدقّ مرحلة سياسيّة تمرّ بها سوريا، وبات من المؤكّد أنّها ستطوي معها "نظريّات الممانعة السخيفة" لتعيد رسم ملامح المنطقة على قواعد الحرّية والديموقراطيّة وحقوق الإنسان.

لم يعد من قيمة أو أهمّية للّعبة السياسيّة الداخلية في ظلّ التحوّلات التاريخيّة الجارية، ومن هنا فإنّ المعيار للحكم على هذا الطرف أو ذاك هو موقفه من الثورات العربية التي ستُخرج المنطقة واستطرادا لبنان من الستاتيكو القاتل الذي دخل فيه اعتباراً من العام 1969، وبالتالي، كلّ من هو ضدّ التغيير في سوريا هو مع إبقاء الدولة اللبنانيّة مفكّكة والوطن ساحة، وكلّ من هو مع التغيير في دمشق هو مع خيار "العبور إلى الدولة".

وقد أثبتت التجارب التاريخيّة منذ نشوء دولة الاستقلال في لبنان إلى اليوم أنّ التحوّلات المفصليّة لم تكن يوما نتيجة عوامل داخليّة، إنّما انعكاس لموازين قوى خارجيّة، وبالتالي انهيار النظام السوريّ سيشكّل المدخل الوحيد لإعادة ترتيب "البيت اللبناني".

وعليه، فإنّ الأولويّة لم تكن يوما للتموضع التنظيميّ، إنّما كانت دوما للتموضع السياسيّ، فما يجمع 14 آذار قيم ومبادئ وثوابت، وفي طليعتها الحرّية التي يرفع الشباب العربيّ لواءها، وبالتالي أهمّية جنبلاط تكمن في عودته إلى "ثورة الأرز" وربيع لبنان، وليس بعودته إلى الحركة التنظيميّة لـ 14 آذار أو عدمها.

لقد نجح جنبلاط في الربط مع الربيع العربي، كما نجح مسيحيّو 14 آذار في هذا الربط أيضا بدءاً من خطاب الدكتور سمير جعجع في قدّاس "شهداء القوّات" إلى لقاء "سيّدة الجبل"، وما بينهما تيّار "المستقبل" الذي تشكّل هذه الثورات استكمالاً للنهج الذي أرساه في لبنان بمنح الأولويّة للخيارات الإسلاميّة الوطنيّة المنفتحة على محيطها، على الخيارات القوميّة المنغلقة على الحداثة والتغيير برفعها خطابا خشبيّا عفّ عليه الزمن.

قد يكون أراد جنبلاط عبر إطلاق مسار إنهاء الوراثة في حزبه ملاقاة الربيع العربي، على غرار "القوّات اللبنانيّة" التي سبقت هذا الربيع بإطلاقها ورشة تنظيميّة لم تنتهِ فصولا بعد، ولكنّ التحدّي الأساس أمام هذه الأحزاب يبقى في مواكبة التحوّلات الحداثويّة بفتح أبوابها على تداول فعليّ للسلطة، يكون لرؤساء الأحزاب داخلها دورٌ أساسيٌّ في تحقيق هذه النقلة الموعودة، إمّا لكَون هؤلاء الرؤساء (نتكلّم عن الأحزاب الوازنة والأساسيّة) من القيادات التاريخيّة التي تحظى بثقة قواعدها، أو لأنّ مستقبل الديموقراطية في لبنان يتوقّف على مستقبل العمل الحزبي…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل