أبرز إنجازات الربيع العربي أنه وَأد الدعوة إلى الوحدة العربية وأهال التراب على جثتها المشلّعة. واقعيته أنه حيث حَل، لم يرفع شعارات غيبية، ولم يضع عناوين ماورائية.
ففي كل الدول التي خرجت فيها الجماهير إلى الشارع، كانت الأهداف واضحة محددة: تداول السلطة والديموقراطية وإنهاء الفساد، وإسقاط القمع، وتعزيز الحريات في إطار القانون. وربما يكفي القول بالديموقراطية لنعني كل ذلك.
لم نسمع هتافات للوحدة العربية، ولا دعوات إلى تدمير إسرائيل. ليس مغزى ذلك أن العرب المنتفضين على الأنظمة، لا يريدون الوحدة العربية أو إقامة الدولة الفلسطينية، بل يكشف ذلك أن الشعارات التي لا تُرسم دروب لتحقيقها، هي طوباوية لم يعد لها مكان في العقل العربي، وأن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن الحرية هي الباب الأول لأيّ إنجاز. والمراجعة الهادئة لماضي الحال العربية، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وولادة الدول العربية المستقلة، تُظهر ازدواجية تناقضية كانت تحفر يوميّا في حياة المنطقة: صوت عال يهتف للوحدة، وسعي حثيث لتكريس الكيانات الناشئة. وما كان يجمع الإثنين، على تناقضهما، كان غياب الخطوات العملانية. أمّا ما كان يفرّقهما فهو علنية الدعوة إلى الأولى، وضمنية العمل للثانية.
كان ذلك، تحديدا، ما تنفذه الدول القائدة، إذا جازت التسمية، وهي، تحديدا أيضا، الدول التي قاد العسكر انقلابات فيها أطاحت بأنظمتها بحجّتي الوحدة وفلسطين، لكنها لم تنجز أي أمر على الدرب إلى هذه أو تلك. وكما كان تحديد طبيعة الأنظمة الانقلابية بأنها ثورة قرارا تتخذه عصبة العسكر، فإن الوحدات العربية كانت أيضا قرارات من فوق، انتهت أسرع مما بدأت، أملتها غالبا، حاجة كل نظام، في حينه، إلى الهرب من استحقاق يواجهه. والأمثلة تلتصق بكل تجربة من تجارب هذه الوحدات الفوقية، منذ الاتحاد العربي الهاشمي بين الأردن والعراق عام 1958، والجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في العام نفسه، إلى اتحاد المغرب العربي عام 1989.
بين التاريخين 12 محاولة وحدة، فشلت لأنها كانت انفعالية ونتيجة ظروف آنية. فيما المشاريع الوحدوية التي نجحت كانت نادرة، أبرزها دولة الإمارات العربية المتحدة، وقبلها المملكة العربية السعودية، وبعدها مجلس التعاون الخليجي، ولاحقا وحدة اليمنيين المهددة، ضمنا، بالعودة إلى دولتين. لا يعني تكرار الفشل أن فكرة الوحدة العربية مفروضة على الشعوب العربية، بل إن تطبيقها كان قاصرا عن التجاوب مع إرادة قيامها. فهي متجذرة في الضمير العام لأهل الإقليم استنادا الى عوامل طبيعية، منها، وحدة الأرض، ووحدة التاريخ، ووحدة اللغة ووحدة التراث والهوية الثقافية والتاريخ المشترك.
لكن الوحدة تعرضت إلى إجهاض سياسي على يد الانقلابيين العسكريين المتسلحين بإيديولوجيا، حَوّلت هذه الفكرة من فكرة خلّاقة الى عنوان تبريري، يغطي، كما تحرير فلسطين، حكم الديكتاتوريات، وتغييب الديموقراطية، وإلغاء الفرد، وترسيخ العشائرية والمحسوبية.
في موازاة هذا الوضع المتخلف، كانت الشعوب العربية تراقب ما تشهده القارة الاوروبية الجارة، التي تسكنها شعوب وأمم تتناقض في التاريخ واللغة والتراث. فقد تداعت شعوبها ودولها الى الانصهار في كتلة ذات سياسة خارجية واحدة، وثقل اقتصادي كبير يقوم على التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة، ورفع الحدود مع المحافظة على الخصوصية الثقافية لكل دولة.
لكن نجاح الوحدة الاوروبية لم يأت من عدم. فهذه القارة شهدت في غابر الأزمنة محاولات توحيد على الطريقة العربية السابقة نفسها، على يد نابليون بونابرت ثم أدولف هتلر اللذين سعيا إلى وحدة اوروبية بالفرض، أي القوة العسكرية وبالإيديولوجيا، من دون مراعاة استقلال كل دولة وسيادة شعوبها وأولوية مصالحها.
الوحدة الاوروبية الراهنة هي وليدة الأخذ بالأهمية الاستراتيجية للفكرة. وكانت البداية بتشكيل جمعية الفحم والفولاذ سنة 1951 على يد كل من المانيا الغربية وفرنسا وايطاليا ودول البينييلوكس (بلجيكا، هولندا، لوكسمبرغ). وبعد ذلك تمّ تأسيس أول وحدة جمركية، عرفت باسم المؤسسة الاقتصادية الاوروبية والتي قامت من خلال اتفاقية روما لسنة 1957، وطبقت في كانون الثاني 1958.
ولتحقيق هذا الرهان الوحدوي، القائم على أساس المصالح المشتركة، بين مجموع الدول العربية، لا بدّ من تحقيق القطيعة، ليس مع الأنظمة الانقلابية ولكن أيضا مع إرثها المريض بالغوغائية العروبية. تكشف التجربة الاوروبية الاهمية المركزية للمصالح المشتركة المؤسسة للوحدة، الى جانب عوامل أخرى، وهي ما غاب عن التجارب العربية المتكررة الفاشلة، مع انه شرط ضروري لنجاحها.
لكن المصالح المشتركة، على ضرورتها وأهميتها ليست كافية، إذا لم تترسّخ الديموقراطية باعتبارها البوّابة الوحيدة أمام الشعوب لتقرّر مصيرها وتحدد مصالحها.
القطع مع الديكتاتوريات لا يكفي إن لم يدفن إرثها معها.