كتبت هيام القصيفي في صحيفة "النهار": تشبّه مصادر سياسية مطلعة ما يعيشه لبنان حاليا بالمرحلة التي سبق ان رافقت اعلان القرار رقم 1559 وما واكبه في حينه من التمديد للرئيس اميل لحود، وتشكيل حكومة غريبة من نوعها برئاسة الرئيس عمر كرامي، الى ان اسفرت تلك المرحلة عن التطورات الجسيمة التي حدثت عام 2005، وانتهت الى ما هو معلوم من تداعيات لا نزال نعيش تحت تأثيرها.
تعود عقارب الساعة الى الوراء من حيث وجه الشبه بين المشهد السياسي آنذاك ، الذي اسفر في حينه عن قيام "لقاء قرنة شهوان" ولاحقا لقاء البريستول وتشكيل معارضة شاملة، قبل ان تسفر الاحداث واغتيال الرئيس رفيق الحريري عن "ثورة الارز"، في مقابل المشهد الراهن الذي بدأ يتكون من رحم قوى 14 آذار بلقاءات مسيحية غير خاضعة لمنطق التهويل بخطر "الربيع العربي، ولمعارضة متنوعة الانتماءات تحاول استعادة القها من تحت جناح المحكمة الدولية، والمتغيرات الاقليمية، رغم غياب مظلة بكركي الواقية التي جمعتها منذ ما قبل نداء مجلس المطارنة الاول . اما ند الاثنين، فطبقة اكثرية لا يجمعها سوى مظلة الدفاع عن النظام السوري والترويج للمخاوف من سقوطه، تماما كما كانت الحال آنذاك مع حلفاء النظام السوري.
وتشبه المرحلة الحالية تلك التي سبقتها لجهة حجم الضغوط التي يخضع لها لبنان حاليا، والتهديدات التي تتردد المخاوف منها في اللقاءات السياسية، وعبر عنها جهارا وزير الداخلية مروان شربل بحديثه عن الاغتيالات، قبل ان يتهم الاعلام باجتزاء حديثه. والاهم ان البلد يعيش على ايقاع حكومة غريبة من نوعها ايضا، فهي من لون واحد لكنها تعيش كل يوم تحت وطأة التهديد من داخل البيت باحتمال فرط عقدها.
وبحسب هذه الاوساط ان ثمة متغيرا اساسيا شهده لبنان عن مرحلة عام 2004 -2005، يتمثل بخروج الجيش السوري من لبنان، ووقوع سوريا في لعبة الانقسامات الداخلية والتظاهرات الدامية التي تنذر كل يوم بحرب أهلية وطائفية. وصولا الى دخول مجلس الامن على خط الازمة السورية ، ومبادرة الجامعة العربية الى محاولة ايجاد حل، بما يذكر بمبادراتها المتعددة خلال حرب لبنان الطويلة. لكن المفارقة ان بيروت وحدها من دون سائر مكونات المنطقة تتعامل مع الحدث السوري كأن دمشق استأنفت انتاج دورها في لبنان، وان سلطة الوصاية اعادت ممارسة دورها والايحاء با ضفاء الحماية على النظام الامني مجددا .
ويتعامل بعض القوى السياسية في هذا السياق مع الحدث المحلي من المنظار السوري، كأن سبع سنوات لم تمر على ذلك المشهد الذي غطى لبنان بقرار دولي على اعلى المستويات واسس للخروج السوري من لبنان وقيام سلطة مستقلة. وكذلك يبدو لبنان الذي احتفل بقيام علاقات ديبلوماسية مع سوريا وانشأ سفارتين ، كأنه مسح بشحطة قلم هذا الانجاز، وعاد يخضع مجددا لروزنامة دمشق. فلا يُعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب من دون تنسيق لبناني – سوري، ودعم لبناني غير مشروط للموقف السوري مقابل الموقف العربي الموحد ، سواء في مجلس الامن او الجامعة العربية. ولا موقف رسميا على مستوى الحكومة من اي خروق امنية سورية، ولا لمحاولات خطف او خطف معارضين سوريين. ورغم ان سوريا اليوم هي غيرها بالامس، في ظل ما تعيشه من ضغوط دولية وعربية واقبالها على مواجهة قرارات دولية توازي باهمتيها وخطورتها ضد النظام فيها ما صدر لحماية لبنان واهله، ثمة طبقة لبنانية لا تزال تعيد تركيب السيناريو نفسه الذي عرفه لبنان قبل عام 2005.
ولا شك ان سوريا افادت من استعادة دورها في لبنان على قاعدة تحسين ظروفها وشروطها التفاوضية على المستويين العربي والدولي، فما باتت تتمتع به في لبنان مجددا، يسمح لها بتغيير قواعد اللعبة والتلويح مرة اخرى بالورقة الامنية فيه وغيره من دول المنطقة. وتسعى كذلك الى الامساك بادارة الملفات اللبنانية وتصوير حركة سفيرها في بيروت كأنها من صلب الحركة السياسية اللبنانية الطبيعية. ولا تقع المسؤولية بطبيعة الحال على دمشق، التي تعيد الترويج لسياستها الاقليمة عبر بوابة بيروت، اذ ان ثمة حلقات مفقودة على خط مواجهة المتغيرات القديمة – الجديدة، منعت انتاج مبادرات حقيقية على مستوى الداخل يعيد اطلاق موجة سياسية تؤسس لبرنامج عملي واقعي ولا تضع البلد تحت مقصلة التهديدات مرة اخرى، وخصوصا انه سبق للبنان ان مرّ بفترات مماثلة، والان لديه فرصة التضعضع السوري. لكن في غياب مظلة بكركي، ومناعة الموقف الاكثري في ما يتعلق بسوريا، لا يمكن الاتكال دوما على انعطافة نصف دائرية للنائب وليد جنبلاط، ولا حتى الركون الى المناسبات الاجتماعية العربية لصياغة موقف قوي قادر على مواجهة الاستحقاقات الاتية، ومعظمها من العيار الثقيل.