مَن يجيد قراءة التاريخ يُحسن استقراء المستقبل… ويخطئ من يظن أنه قادر على أن يتصرّف في زمن الانترنت والفايس بوك والتويتر واليوتيوب وآلاف الأقنية التلفزيونية، كما كان يتصرّف قبلها… فهذا التطوّر التكنولوجي يحصي الأنفاس.
وخلال ثمانية أشهر ونيّف من عمر الثورة في سوريا (انطلقت في شهر آذار الماضي) ووسائط الإعلام تضوّي على كل خطوة يُقدم عليها النظام.
مشاهد القتل والتعذيب والتشويه والضرب التي ينفذها الجيش ضدّ الشعب لا يمكن نكرانها أو التبرّؤ منها… ولا يكفي، في هذا السياق، أن يقول الرئيس إنّ القوى الأمنية غير مؤهلة لمعالجة الحراك الشعبي، ذلك أنّ هذه القوى مؤهلة لمحاربة الإرهاب وبالأخص عناصر »القاعدة«… ولـمّا كان الشيء بالشيء يُذكر فالسؤال يطرح ذاته ببساطة: لماذا لم يظهر، خلال ثمانية أشهر، أي أثر لـ»القاعدة«؟
أجل! ثمانية أشهر، والقوات المسلحة تقتل المتظاهرين المدنيين العزّل من أي سلاح، وتدمّر البيوت فوق رؤوس ساكنيها، والدبّابات تسرح وتمرح في الشوارع لقمع التظاهرات السلمية التي تطالب بالحرية والكرامة والديموقراطية.
الطيّارون العسكريون يقصفون المتظاهرين ناسين أو متناسين العدو الاسرائيلي وأنّ الشعب يدفع ثمن الطائرات وقذائفها وصواريخها، ونفقات صيانتها المرتفعة في سبيل الدفاع عنه وعن كرامته ولاستخدامها لمواجهة هذا العدو، مغتصب الجولان المحتل.
وإذا كان الرئيس يتمتّع بتأييد الملايين، حسب ما يصوّر الإعلام الرسمي في التظاهرات الموالية، فلماذا يخاف إجراء الانتخابات الديموقراطية فيفوز مَن يفوز ويخسر مَن يخسر، فيتسلم الرابح مقاليد الحكم ويذهب الخاسر الى المعارضة… وهذه هي طبيعة الأمور في بلدان العالم الحر كلها.
ويبدو النظام غير واعٍ للفرصة التي تمنحه اياها الجامعة العربية بكثير من التسامح وتمديد المهل… ولكنه لا يستغلها لإجراء الإصلاحات من تعديلات دستورية وسواها تحقيقاً لأماني الشعب ومطالبه المحقة، بل يستغلها في أسلوب البطش وممارسة القوّة ظناً خاطئاً منه أنها الوسيلة الوحيدة لترهيب الشعب فيهرب الناس الى بيوتهم… وفات هذا النظام أنّ حاجز الخوف قد كُسر، وأنّ الظروف تغيّرت، وليس هناك إلاّ حل واحد: تلبية مطالب الشعب كاملةً غير منقوصة… وربما لا تزال هناك فرصة، وإن ضيّقة جداً، لهذا الحل، وإلاّ فالمنتظر لن يخرج عمّا حفلت به التطورات في العراق وتونس ومصر وليبيا.
وكلمة أخيرة الى الذين يزعمون أنّ »عرب أميركا« هم الذين يقفون ضدّ »النظام الممانع« في سوريا: كفى متاجرة بالشعارات التافهة التي عفى عليها الزمن، ولم يعد يصدقها أحد، وانقلبت سلباً على مروّجيها. صمود… تصدٍ… ممانعة، عرب أميركا… شعارات… شعارات…. شعارات.
آن الاوان لأن تعودوا الى الحقيقة.