انقضى ثلث الليل الأول من يوم الاثنين والخبر الوحيد الذي يتكرر في النشرات الإخباريّة، لم يتلقَ وزراء الخارجية العرب الردّ السوري بعد، لم تكن هذه الأجواء غريبة ـ على اللبنانيين تحديداً ـ فهذا أسلوب النظام السوري منذ وضع يده على حكم سوريا، وهذا أسلوبه مع كلّ القضايا العربية التي تعاطى معها، خصوصاً اللبنانية منها.
أمّا ليل الثلاثاء، فكان مفاجئاً في صياغة إعلان الموقف المنتظر أن يُعلن في دمشق بالموافقة من عدمها على المبادرة العربيّة، كالعادة كانت المناورة السوريّة قد أصبحت قيد التنفيذ بالرغم من تحذير رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري من «اللف والدوران والاحتيال»، ولكن «اللي في عادة ما بيبطلها»، فقد سارع النظام السوري إلى استعمال كلام صدر عن وزير الخارجية الجزائري عن التوصل إلى اتفاق ـ وقد يكون قصد الاتفاق الذي ينتظر الجميع الردّ السوري عليه ـ فأعلنت دمشق أمس اتفاقاً ـ لا جواباً ـ مؤكدة التوصل إلى اتفاق مع الجامعة العربية بشأن خطتها لحل الأزمة في سوريا»، فأعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» أنه تم «الاتفاق بين سوريا واللجنة الوزارية العربية على الورقة النهائية بشأن الأوضاع في سوريا وان الإعلان الرسمي عن ذلك سيتم غدا في مقر الجامعة العربية في القاهرة».
هذا الإعلان السوري بدا أشبه بمناورة تطويقيّة استباقيّة للجامعة العربيّة، حتى تُلقى تبعات الرفض السوري عليها ويخرج النظام ـ على جري عادته في هكذا مواقف «متل الشعرة من العجين» ـ ولم يتأخر ردّ الجامعة العربية غير المذكور المصدر: «تم الاتفاق على تعديلات طفيفة، غير أن الوفد العربي طالب برد نهائي اليوم على الاقتراح العربي».
ولم يلبث لاحقاً أن خرج نائب أمين عام الجامعة العربية احمد بن حلي ليحسم مشهد البلبلة وهو صناعة سورية ممتازة فأعلن: «الجامعة العربية لم تتلقَ الرد الرسمي على مبادرتها من سوريا بعد»!! فعن عن أي اتفاق وإعلان تحدثت الوكالة السورية، والجامعة العربية لم تتبلغ بعد الموقف السوري، فهل هو اتفاق من طرف واحد؟ وهل بإمكان النظام السوري تحويل ورقة الجامعة ومبادرتها إلى «ورقة ومبادرة سورية» تتفق فيها دمشق مع نفسها بالنيابة عن نفسها!!
هذا الأسلوب معهود ومألوف ومناورات يُدرك العرب «براعة» النظام السوري فيها، ولكن من الواضح أن الأصوات العربية تكاد ترجو النظام السوري أن يقبل بالحلّ العربي حتى لا يوضع مصيره على طاولة مجلس الأمن، ولكن، «لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً ولكن لا حياة لمن تُنادي» ومن المنصف القول إن الجامعة العربية تأخرت كثيراً جداً في إلزام سوريا بورقة عربية، ولكن من المنصف أيضاً القول إن مجرد لفت الجامعة العربية نظر سوريا إلى العنف غير المقبول في مواجهة العزّل واجهت عاصفة اتهامات وتخوين عاتية»!!
ووسط لحظة الانتظار العربيّة للجواب السوري ـ الذي لن يخرج عن كونه مناورة إغراق اللجنة في دراسة تفاصيل لأطول فترة ممكنة ـ خرج بالأمس صوت رجب طيب أردوغان، ربما شغلته أحزانه على وفاة والدته، وشغله لاحقاً زلزال فان، إلا أن كلامه بالأمس كان من نمط السقف العالي، فأطلق رسائل شديدة اللهجة بوجه النظام السوري، مشيرا إلى أن هذا النظام يستخدم القوات المسلحة في قمع شعبه وعلى نطاق واسع ومحذرا من أن أنقرة لن تسكت على ذلك…
وفي وصف يسبغ صبغة إسلاميّة مقصودة على القتلى الذين سقطوا في سوريا وهم يواجهون عُزّلاً آلة نظام متوحشة اعتبر أردوغان ضحايا النظام السوري «شهداء» لان النظام الذي قتلهم لا يستند إلى إرادة الشعب بل يحاول استخدام قوته العسكرية الهائلة لإسقاط شعبه وليس لتحقيق طموحاته. وشدد أردوغان هذه المرة لا «الأميركان» على أن بشار الأسد أصبح فاقدا للشرعية، معرباً عن ثقته في أن الشعب السوري سيحقق أهداف ثورته.
اليوم ، هو يوم المناورة الأخيرة للنظام السوري، مهما طلب تعديل بعض التفاصيل، أما الشعب السوري فحراكه يبدأ بعد إعلان الاتفاق ـ إن تمّ الاتفاق ـ كلا الطرفين في نقطة اللاعودة النظام غارق في دم شعبه حتى أذنيه، والشعب من تجاربه مع هكذا نظام أن الرجوع إلى الوراء يعني الموت تحت التعذيب في المعتقلات، أبرز ما حقّقته الثورة السورية أنها قادت الشعب للبقاء في الشارع حتى ينتصر، فلا خيار له في معركة استعادة حريته وكرامته وسوريا التي سلبها النظام من شعبها!