#dfp #adsense

أقزام وجبّار

حجم الخط

لست أتكلم هنا عن أقزام في الحجم تميّزهم قامتهم عن باقي خلائق الله، ولست أتكلم بكل تأكيد عن جبار تزرع عضلاتُه المفتولة الرعبَ في نفوس الناظرين اليه أو تُضرب الأمثلة بضخامة جسمه وطول قامته. بل أنا أتكلم عن بشر أسوياء وطبيعيين، لا يتميّزون بأجسادهم عن أبناء جنسهم البتة.

من الناس في بلادي مَن حاول أن يقنع الباقين أن الخضوع للأمر الواقع سياسياً أفضل وأذكى من الوقوف بوجهه وتحدّيه. كما حاول أن يقنع الباقين أن الأخلاق في زمن التفلّت من كل الضوابط جنون، وأن الآدمية في زمن السرقة على المكشوف تعاند المنطق السليم، وأن الخضوع للقانون حماقة ما دام خيار القفز فوق القوانين متوافراً، وأن الإمتثال الى رأي الناس لا ينفع إذ أن العلاقات ما وراء الحدود تأتي ثماراً أوفر… وللأسف الشديد وجد هؤلاء أتباعاً وصار رأيهم بين الناس مسموعاً فتصدروا الواجهة في كل الميادين للخمس عشرة سنة الماضية.

ومن الناس في بلادي مَن نصح الآخرين بالوقوف في وجه الواقع السياسي المستجدّ ومجابهته بكل الوسائل المتاحة، والتمسك بالأخلاق حصناً أخيراً، والارتداع عن مخالفة القوانين… لكن المفارقة أن هؤلاء هربوا قبل الهاربين وهاجروا الى مراتع راحة البال والأمان والحياة الهانئة البعيدة عن وحول لبنان ومشاكله.

ومن الناس مَن أعطى أهم الأمثولات في الوطنية والترفع والممانعة، ولم يتراجع أو يتهاون يوماً، الى أن صار الثمن مناسباً فضرب عرض الحائط بكل ما كان ينادي به وتهافت على قبول ما عُرض عليه قبل فوات الأوان وضياع الفرصة.

هؤلاء جميعاً أقزام. أقزام في نفوسهم، في أخلاقهم، في ضمائرهم وفي وطنيتهم خصوصاً. أقزام هم في كل ما يأتون من أفعال حتى ولو كان كلامهم كلام أبطال وصوتهم صوت جبابرة.

أنا لم أعرف من الناس إلا واحداً عمل بما قال، وتمثل بما أعلن، وعند الشدة كان المثال الحي للتضحية بالنفس في سبيل مَن وما أحب. إنه الحكيم، قائد القوات اللبنانية. هل تعرفون أحداً، على أمتداد كوكب الأرض، غير سمير جعجع، عُرضت عليه السلطة بكل إغراءاتها، أو السفر بصحبة مَن وما يختار الى حيثما يشاء، وفضّل على كل ذلك رطوبة وعزلة السجن طوعاً؟ هل تعرفون أحداً غيره افتدى مجتمعه، مختاراً، بحريته وصحته؟

كما أنني لم أسمع بسجين غيره – سياسي أو غير سياسي – قضى في السجن الإنفرادي أربعة آلاف ومئة وعشرة أيام. قرأت سيرة حياة نيلسون مانديللا لظنّي أن الرجل قضى فترة عقوبته، والبالغة أربعة وعشرين عاماً، في السجن الإنفرادي. لكن الحقيقة أن بطل إفريقيا الجنوبية ومحررها من حكم التمييز العنصري لم يقضِِ سوى عقوبات قليلة ومتقطعة ومتباعدة في الإنفرادي، وهو قضى معظم الوقت في الأعمال الشاقة مع رفاقه من السود الثائرين على نظام الحكم. لكن نيلسون مانديللا، على خلاف سمير جعجع، لم يختر السجن بل تجنّبه بكل ما أوتي من حنكة ومقدرة، عبر حياة سريّة لم تكن كافية لتقيه المعاناة الطويلة والمريرة. إن الحالة النفسية والذهنية التي يعيشها السجين في ظروف السجن الإنفرادي لا يصفها أبلغ الكلام. فلو لم يكن الحكيم جباراً بكل ما للكلمة من معنى، ولو لم يكن مؤمناً بعمق، ولو لم يكن صاحب مشروع للبنان، أكبر من الظروف الآنية، لما تمكن من الصمود، ولكان نجح رهان المراهنين.

كل المتعاطين في الشأن العام في لبنان يعرفون أن سمير جعجع رفض التفاوض على خروجه من السجن. لم يقبل حتى بالدخول في تفاصيل العروض التي طرحت، رفضها بالمبدأ. هو لم يختر السجن لكي ينحني، بل اختاره لتبقى هامته مرفوعةً. إختاره ليُخرج لبنان من دائرة الجنون التي علق بداخلها. ظل السجين-الحكيم كبيراً في أحلك الظروف، لم يطأطىء رأسه، ظل ثابتاً حتى أجبر السجّان على التراجع. صدر قانون العفو عنه بإجماع نواب الأمة، لكن الإجراءات الروتينية لخروجه من الزنزانة طالت، فنفد صبر الجميع وصار مريدوه يحصون الثواني، أما هو فبقي هادئاً صابراً طويل الأناة. وللذين لا يعرفون سرّ هدوء الحكيم وسرّ صبره نقول إن الوقت عنده لا يُقاس بطوله بل بكثافته. هو مستعدّ للتحمّل أكثر مما تذهب اليه المخيلة إذا تعلّق الأمر بانتصار قضيته.

هذا الذي دخل الحرب مجبراً، للدفاع عن أهله ووطنه والقيم التي آمن بها، والذي برع في لعبة الحرب، هو هو أختار مقتنعاً الدخول في مسار السلام، لكن في حينه لم تكن الظروف ناضجة للسلام بعد. فدفع الجبار وحده فاتورة الحرب اللبنانية، فيما كان كل الباقين ينعمون بمغانم التزلّم والتزلّف.

بالأمس اختار الحكيم الإنكفاء حراً في زنزانة سجنه كي لا يصير عبداً في وطنه. اليوم يخرج الحرّ الى الحرية، فيما المستعبَدون عالقون في سجن عبوديتهم وذلّهم ومهانتهم.

نجح رهان الحكيم رغم شك الجميع، أقربين وأبعدين، فهنيئاً له وللقوات اللبنانية وللبنان. أملنا أن يعرف سمير جعجع كيف يبعد عنه الأقزام ويقي لبنانَ شرّهم، وأملنا أن يعرف لبنان كيف يستفيد من عودة الجبار الى الديار.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل