للبنانيِّ منذُ أكثرَ منْ عشرِ سنواتٍ الحقُ في تسلُّمِ أرفعِ المسؤولياتِ السياسيةِ والإدارية. ومنَ الذينَ اكتسبوا الجنسيةَ اللبنانيةَ منذُ أكثرَ منْ عشرِ سنواتٍ مَن تبوّأَ المناصبَ واحتلَّ المراكزَ، فهذا صارَ مديراً في مؤسسةٍ حكوميةٍ وذاكَ اختيرَ رئيساً لمجلسٍ بلديّ وثالثٌ انتُخبَ مُختاراً، ومنهم مَن انخرطَ في السلكِ الدبلوماسيّ ومنهم مَن تولّى مسؤولياتٍ عسكريةً أو أمنية.
أما على المستوى الاجتماعيّ فغالبيةُ الذين اكتسبوا الجنسيةَ اللبنانيةَ منذُ أكثرَ منْ عشرِ سنواتٍ تزوجوا وبنَوا العائلاتِ، أو تقاعدوا ويتقاضَون التعويضاتِ من مؤسساتٍ رسميةٍ، أو ماتوا ولوَرَثتِهم في ذمةِ الدولةِ مُستحقّات.
فكيفَ يصدرُ اليومَ قرارٌ بسحبِ الجنسيةِ من بعضٍ هؤلاءِ ؟ وأيُّ منطقٍ يُبرِّرُ سحبَ الجنسيةِ من مسؤولٍ عن أمنِ الناسِ أو ممن يَرفعُ اسمَ لبنانَ مُدافعاً عن مصالحِهِ في الخارجِ أو ممن يُمثلُ الإرادةَ الشعبية ؟ وأيُّ منطقٍ يُبرِّرُ سحبَ الجنسيةِ من رجلٍ أعطى زوجتَهُ وأولادَهُ الجنسيةَ، وما سيكونُ عليهِ مصيرُ هذهِ العائلةِ، فهل تبقى لبنانيةً أم تصبحُ بلا هوية ؟ وأيُّ منطقٍ يُبرِّرُ وقفَ معاشِ عائلةِ موظفٍ متوفٍ أو تعويضاتِ متقاعدٍ خَدَمَ في مؤسساتِ الدولةِ لسنواتٍ وسنوات؟
منَ الجائزِ أنْ يكونَ بعضُ مُكتسبي الجنسيةِ اللبنانيةِ غيرَ مُستحقٍّ لها بالفعلِ، لكنْ أنْ تُسحبَ منهُ الجنسيةُ بعدَ عشرينَ عاماً ففي ذلكَ ظلمٌ وتجنٍّ. لو نُفِّذَ قرارُ مجلسِ شورى الدولةِ في حينِهِ أي قبلَ ثمانيةَ عَشَرَ عاماً لكانَ قرارُ سحبِ الجنسيةِ إحقاقاً للحقِّ، أما وبعدَ مرورِ هذا الوقتِ كلِّهِ، فصارَ تصحيحُ الخطأِ خطيئة.
ليسَ المهمُّ مَن اتخذَ قرارَ سحبِ الجنسيةِ، بلْ مفاعيلُ هذا القرارِ على المستوياتِ الاجتماعيةِ والأخلاقيةِ والقانونيةِ هي المهمّة. هذا بالإضافةِ الى أنَّ قراراً كهذا يضعُ لبنانَ في مصافِ الدولِ التي لا اعتبارَ لقراراتِها، ولا ثباتَ في تشريعاتِها وقوانينِها، ولا احترامَ لحقوقِ الإنسانِ فيها.
إنَّنا في الواقعِ نعيشُ في بلادِ العجائبِ، كيفَ لا واللبنانيُّ منذُ عشرِ سنواتٍ يتمتعُ بحقوقِهِ المدنيةِ والسياسيةِ كاملةً، فيما اللبنانيُّ منذُ عشرينَ سنةً مُعرَّضٌ لفُقدانِ جنسيَّتِهِ وكاملِ حقوقِهِ كمواطن!!