عندما يتجاوز جيش النظام السوريّ مراراً وتكراراً الحدود اللبنانيّة شرقاً وشمالاً تحت أنظار الحكومة في لبنان، وعندما تطارد المخابرات السوريّة وسفارتها في بيروت النشطاء السوريّين داخل الأراضي اللبنانيّة وتخطفهم وتعيدهم إلى سوريّا لتقتلهم… تحت أنظار الحكومة في لبنان، وعندما يمنع الأمن السوريّ معالجة الجرحى من اللاجئين السوريّين داخل البلد وينكّل بهم… تحت أنظار الحكومة في لبنان، وعندما يعود في لبنان زمن الميليشيات التي تقتطع كلّ واحدة منها منطقة أو شارعاً أو حيّاً، خصوصاً في العاصمة وضواحيها، بالإضافة إلى مناطق أخرى… تحت أنظار الحكومة، وعندما يصبح لبنان مستباحاً في كلّ شيء، في مؤسّساته وانتظامه العام واستقراره تحت أنظار الحكومة،عندئذ يكون لبنان بلداً بلا سيادة ولا قانون ولا حقوق ولا إنسان ولا إنسانيّة ولا أمان ولا حياة.
صحيحٌ أنّ من يتجاوز كلّ هذه الأمور هو جهة خارجيّة، أي النظام السوريّ، وصحيح أنّ من يشارك النظام السوريّ تجاوزاته ميليشيات محلّية حليفة وتابعة له، غير أنّ الأصحّ هو أنّ كلّ ذلك يتمّ بموافقة السلطة السياسيّة الحاكمة عندنا.
فهذه السلطة السياسيّة، بموافقتها على أو بتواطُئها مع الاستباحة من جانب نظام الأسد والميليشيات المحلّية، أسقطت الدولة… وأنهَتها.
الدولةُ اليوم بلا أمن لبنانيّ سيّد. والدولة اليوم بلا قرار في أيّ أمر من أمورها. وهي دولةٌ بدون قضاء. ودولةٌ مجيّرة للنظام السوريّ، لخدمته في المحافل العربيّة والدوليّة. كانت دولة منقوصة السيادة بقوّة «سلاح حزب الله»، فعادت بلا سيادة ولا استقلال بالمرّة. وكانت قبل 2005 دولةً يحكمها نظام أمنيّ سوريّ – لبنانيّ «مشترك»، فغدت اليوم دولة غير موجودة ويتسلّط عليها نظام أمنيّ سوريّ – حزب اللهيّ أسود.
إذاً، إنّ ما أنجزته السلطة السياسيّة القائمة، أي الحكومة، هو تدمير الدولة بالكامل، وصارت الدولة أشلاء يتناتشها النظام السوريّ وميليشياته. وحتّى على صعيد ما يُسمّى إدارة شؤون الناس، فإنّ هذه السلطة غائبة وليس لها قرارٌ.
وما يشهده لبنان اليوم أخطر بكثير من أيّ مرحلة سابقة. قد سبق للدولة أن انقسمت أو تفكّكت، وقد سبق لها أن تركّزت في بقعة صغيرة لا تتعدّى الأمتار فقط. لكن لم يسبق أن انتهت نهاية كاملة.
حتّى في زمن الحرب الأهليّة، أي في زمن تلك الصفحة السوداء، كان ثمّة متنفّسات للبنانيّين، أماكن شبه آمنه وممرّات آمنه نسبيّاً كي يبقوا على قيد الحياة. أمّا اليوم فإنّ لبنان موجودٌ بسلطة سياسيّة، لكن بلا دولة بسبب هذه السلطة. أصبح لبنان في «شريعة غاب» بكلّ معنى الكلمة: دولة اللبنانيّين ساقطة ومربّعات الميليشيات تسود. تسودُ حيث هي وتتمدّد في مناطق أخرى وتخرقها.
والسؤال موجّه إلى 14 آذار بالتحديد: ماذا أكثر من ذلك؟ وإلى متى المبادرة؟
إنّ السلطة – الحكومة – أتت بانقلاب موصوف وبقوّة السلاح،
ومع ذلك، فإنّ 14 آذار تعاطت مع هذه السلطة حتّى الآن في صيغة «معارضة برلمانيّة».
إنّ «المعارضة البرلمانيّة» أمرٌ جيّد، إنّها في صميم الديموقراطيّة السياسيّة. وعلى افتراض أنّ 14 آذار اتّخذت في الفترة السابقة موقع المعارضة الدستوريّة لانقلاب قالت إنّه انقلاب دستوريّ… مع الطعن الفكريّ – السياسيّ بهذه المزاوجة بين «إنقلاب» و»دستوريّ»، ألم يحِن أوانُ التحوّل من مجرّد «معارضة» إلى ثورة ديموقراطيّة سلميّة في وجه هذا الإسقاط الشامل للدولة وللنظام السياسيّ وللحياة السياسيّة الديموقراطيّة؟
إنّ ما يجري للبنان، أي ما يجري ضدّ الكيان والصيغة والميثاق والدستور… والدولة، بات يطرحُ على 14 آذار بما تمثّله من حركة استقلال وسيادة، وحرّية وديموقراطيّة، وقيم أخلاقيّة ومشروع دولة، قيادة ثورة لإنقاذ لبنان كياناً ودولة… من مدخل إسقاط السلطة السياسيّة – الحكومة.
ما الأفظع ممّا نشاهده اليوم كي يستعيد لبنان ربيعه؟ كيف يمكن السكوت عن عمليّة إسقاط بلد ودولة وشعب في معرض تلزيم السلطة حال لبنان ومصيره إلى نظام لا يمانع في أن ينهار بلدنا في معرض سقوطه هو؟
لقد آن أوانُ الصحوة الربيعيّة، من أجل تثبيت انتساب 14 آذار ومعظم الشعب اللبنانيّ إلى ثورة الأرز الأولى ثمّ إلى الربيع العربيّ المزدهر.