#adsense

نحو تشريع سياسي للعلاقة بين المعارضتين اللبنانية والسورية

حجم الخط

منذ اندلاع الثورة السورية تدرج موقف قوى 14 آذار من الوقوع تحت سلاح الترهيب بدءاً من الاتهامات الموجهة إلى نوابها بالوقوف وراء ما يجري في سوريا.. ثم تطور مع التشدّد الأمني واستهداف اللاجئين السوريين إلى لبنان ومحاولة اعتقال الجرحى منهم، ثم حملة سفير النظام الأسدي علي عبد الكريم علي على المعارضة اللبنانية واتضاح تورط جهاز أمن سفارة هذا النظام في خطف معارضين وليس انتهاء بحملة حزب "الطاشناق" لطرد الأكراد السوريين من منطقة برج حمود..

بدأ كسر جدار التردد مع بدء ناشطين من المجتمع المدني نشاطين تضامنيين مع الشعب السوري: لقاء سن الفيل، ثم اللقاء في حديقة الشهيد سمير قصير.. بالتوازي مع خروج عدد من النواب عن الصمت في وجه الممارسات الأمنية والسياسية لتجمع الأغلبية الحكومية.

إلا أن المفصل الأساس في الموقف السياسي كان في موقف الرئيس سعد الحريري الذي شكل الموقف الأول على المستوى العربي في الإعلان الواضح والقاطع في مساندة الشعب السوري في ثورته وفي دعم هذه الثورة.. ثم كان البيان الثاني للرئيس الحريري بعد انتصار الثورة الليبية وما تضمنه من دعوة واضحة إلى الاتعاظ بمصير القذافي، باعتبار أن كل من يضطهد شعبه سيلاقي المصير نفسه.

كذلك لا بد من التوقف عند أهمية خطاب رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع الذي أطلقه في ذكرى شهداء "القوات" ويمكن اعتباره إعلان انتساب إلى الربيع العربي، في لحظة كان فيها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي يواصل مواقفه المثيرة للجدل ويجول مع قيادات "حزب الله" جنوباً..

في الأيام الأخيرة أعطى النائب وليد جنبلاط معادلته الجديدة: تطلع وتأييد للربيع العربي عموماً، والسوري منه بشكل خاص، مقابل تحييد الوضع الداخلي عن الصراع وتجنب المواجهة مع الحزب.
في هذه الأجواء كانت مواقف الأمانة العامة لقوى 14 آذار تلامس السقف المرتفع وتوجه التحية إلى المجلس الوطني السوري بعد إعلان قيامه، مرحبة بتوحد المعارضة السورية حول مؤسسة تحتاج إليها لتبدأ التعاطي مع العالم العربي والمجتمع الدولي.

وبينما يدور جدل حول كيفية بدء مرحلة الدعم العملي للثورة السورية، باعتبار أن التخاذل سيؤدي إلى سوء تفاهم واضح مع المعارضة السورية ستكون له آثاره في مستقبل الأيام ولدى إرساء النظام الجديد في سوريا.. في حين يذهب البعض إلى اعتبار مواجهة الحكومة هي بمثابة مواجهة لسياسات النظام السوري في لبنان، كان السؤال يتردّد عن المساحة المتاحة لقوى 14 آذار للعمل فيها بقوة وتأثير ريثما تـُحسم أولويات العمل في الساحة الداخلية.

الجواب أتى يوم أمس في بيان الأمانة العامة الدوري، الذي وجّه النداء إلى الجاليات اللبنانية في الاغتراب بالتعاون والتنسيق مع الجاليات السورية لدعم الشعب السوري.
هذه الدعوة هي من أهم ما يمكن اتخاذه من خطوات، فهي تتجاوز ساحة التأثير المباشر للنظام، ولن تستطيع سفاراته في ضوء التشدّد الأوروبي والدولي مع سفاراته لمنعها من مطاردة المعارضين في عواصم ومدن هذه الدول، سيصبح النظام أمام مأزق حقيقي إذا ما تحركت الجاليات اللبنانية والسورية، بما تحتويه من جمعيات مدنية وشخصيات دينية وسياسية وفنية واقتصادية.

إن جدوى هذا التحرك هي بالدرجة الأولى سياسية، وهي لا شك ستستقطب الجاليات العربية المساندة للثورة السورية، مثل الجاليات الليبية والتونسية والمصرية واليمنية، لتعطي مزيداً من الدعم للمجلس الوطني ليحظى بالاعتراف والتعاون، ولتغطي جانباً من حاجات الشعب السوري الإغاثية والإنسانية، خاصة أنه بات هناك آلاف النازحين إلى دول الجوار، وآلاف المهجرين المطاردين في الداخل المحاصرين بلقمة عيشهم وحقهم بالأمان والاستقرار.

إن دعوة الأمانة العامة لقوى 14 آذار إلى توحيد جهود الجاليات اللبنانية والسورية لدعم الشعب المنتفض، هي خطوة أولى، في سلسلة مبادرات يجب أن تؤسس لتشريع العلاقة السياسية والإعلامية بين المعارضة اللبنانية والمعارضة السورية، للخروج من شرنقة الخوف الوهمي التي وضعنا فيها أنفسنا، بحيث بات البعض يعتبر أن أي اتصال بأي معارض سوري يكاد يكون جريمة أو مخاطرة.. في حين يتبارى وزراء ونواب سابقون وشخصيات وفاعليات في إحياء حفلات التأييد للرئيس السوري بشار الأسد، ولا يجدون حرجاً في أن يصبحوا سوريين أكثر من السوريين أنفسهم..

لقد شكلت وثيقة "لقاء سيدة الجبل" نقطة فارقة في الخطاب السياسي المسيحي في لبنان وفي تطلع المسيحيين إلى الانتماء إلى الربيع العربي، وإزاء أهمية هذه الخطوة، فإنها لاقت اهتماماً وترحيباً من أوساط المعارضة السورية، والإسلامية منها بشكل خاص، وقد تشهد الأيام المقبلة صدور موقف إسلامي هام يعقب على الوثيقة ويطور رؤية مشتركة حول العلاقات الإسلامية المسيحية في دولة مدنية يسعى إليها الطرفان.

أمام هذا التطور، نعتقد أن مرحلة جديدة من الأداء السياسي لقوى 14 آذار قد بدأت، بالتوازي مع تطور الموقف العربي من الملف السوري، ننتظر من خلالها فتح آفاق التعاون الفعال والشفاف بين مكونات المعارضتين اللبنانية والسورية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل