#dfp #adsense

عندما صار الاتحاد “فرقة سبّاقة” لغزوات “حزب السلاح”

حجم الخط

كتب الفونس ديب في صحيفة "المستقبل"

ماذا أنجز الاتحاد العمالي العام؟ سؤال يطرحه معظم اللبنانيين حول "اتحاد" يفترض أن يمثّلهم في الدفاع عن مصالحهم وقضاياهم الحياتية والمعيشية، خصوصاً بعدما انحرف عن دوره النقابي الأساسي، باتجاه سياسي بحت ضمن إطار منظومة سلطة الوصاية ومن بعدها تحت أجنحة حزب وصاية السلاح. وقد استخدم في مرحلة أولى لمواجهة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتعطيل مشروعه الاقتصادي والاجتماعي وإنجازاته، وأولها مؤتمر باريس 2، وفي مرحلة ثانية لضرب "ثورة الأرز" والحكومات التي تبنّتها.

وإذا كانت مسيرة تدخّل سلطة الوصاية في شؤون الاتحاد قد انطلقت مع تعيين عبدالله الأمين وزيراً للعمل (عام 1991) أثناء ترؤس انطوان بشارة الاتحاد، فإنها لم تتوقف مع انتخاب الياس أبو رزق رئيساً للاتحاد في 8 تموز 1993 بعد عشر سنوات من دون انتخابات في الاتحاد. وقد ظهر التدخل واضحاً في الانتخابات نفسها حيث دعا الوزير الأمين أبو رزق عشية العملية الانتخابية الى مكتبه في الرملة البيضاء ناصحاً اياه بالانسحاب "ومباركة اللائحة المنافسة، خصوصاً وأن مستقبلك أمامك". لكن أبو رزق رفض "لأن التاريخ سيلعنني وكذلك العمال، فأنا مصر على الاستمرار حتى لو نلت صوتي لوحدي".

ورغم التدخل الصريح من ممثل سلطة الوصاية فاز أبو رزق في الانتخابات بعد أن نال أصوات الاتحاد المحسوبة على الحزب الشيوعي (16 صوتاً) انتقاماً من اللائحة المنافسة، ففاز بـ23 صوتاً من أصل 44 صوتاً.

لكن هذا الفوز المخالف لرغبة الوصاية دفعها الى تغيير استراتيجيتها بالكامل كما يقول أبو رزق: "منذ ذلك الحين بدأ الأمين عملية تفريخ النقابات ومن ثم الاتحادات لتغيير ميزان القوى داخل الاتحاد، في وقت بدأ الاتحاد يجسد مساحة من الاستقلالية تعوض الخواء الذي بدأ يضرب الحياة السياسية. كبر حجمه ودوره في الحياة الوطنية. وحققنا انجازات مهمة للحركة النقابية (تصحيح الأجور في 1994 ومن ثم في 1995 وأيضاً في 1996".

لكن مع استعداد الاتحاد لانتخاب هيئة مكتبه في 24 نيسان 1997، كان ينتظره استحقاق جديد مع السلطة تمثل بهجمة غير مسبوقة من الاتحادات المحسوبة عليها، تُوّجت بتحول محيط مكان الانتخاب في بدارو صباح يوم الاقتراع الى مربع عسكري حيث انتشرت الدبابات والعناصر العسكرية من البربير مروراً بالمتحف ووصولاً الى الطيونة.

ويلفت ابو رزق الى انه "بالنتيجة انتخب غنيم الزغبي في غرفة مجاورة لغرفة الانتخاب حيث أجرينا الاقتراع، بإشراف من وزير العمل الجديد أسعد حردان الذي أعد رئيساً للسن (غير الهبر) ولوائح شطب مختلفة عن لوائحنا".



"ضمان" السيطرة على "الضمان"

وكما يقال إن الحكم استمرارية، فإن للوصاية "استمراريتها" أيضاً، عندما يصبح اميل لحود رئيساً للجمهورية حيث صار رمزاً أميناً لهذه "الاستمرارية". وُجهت الدعوة لانتخاب مجلس جديد لإدارة الضمان الاجتماعي، فترشح الزغبي لمنصب الرئيس في وجه مرشح السلطة موريس أبو ناضر. طُلب من أبو رزق الانسحاب، فلم يفعل. فاز في الانتخاب بـ14 صوتاً مقابل 11 صوتاً لأبو ناضر. جنّ جنون لحود والجهاز الأمني المشترك. فطوّقوا أبو رزق بطريقة أخرى عندما منعوا مرشحي الدولة، ومن ثم أصحاب العمل، وبالتالي مندوبي العمال أيضاً من حضور أي اجتماع يدعو اليه. كانت الذريعة كافية لوزير العمل ليعد مذكرة يعلن فيها أنه حرصاً على مصالح آلاف المستفيدين من الضمان ونظراً الى حال التعطيل التي تطال مجلس الادارة وجه دعوة لانتخابات جديدة، وهكذا كان. أما النتيجة فجاءت لمصلحة أبو ناضر هذه المرة الذي نال 25 صوتاً بعد أن حصد 11 صوتاً فقط في الانتخابات السابقة. وتم وضع اليد على مجلس ادارة الضمان.

هذا الدأب المتواصل من قبل سلطة الوصاية لتطويع الحركة النقابية لم يتوقف، وانما استمر من دون انقطاع مع تصاعد في خطّه البياني، بلغ ذروته مع وصول لحود الى قصر بعبدا، ومعه غسان غصن ابن الحزب السوري القومي الاجتماعي الى رئاسة الاتحاد العمالي. في ذلك الحين اكتملت مسيرة الاجهاز على الاتحاد الذي انخرط بصورة تامة في أدوار سياسية بحتة لا علاقة لها بالعمل النقابي.

وقد جاء انتخاب غصن بواسطة انقلاب أيضاً يوم 15 آذار 2001، إذ أن ولاية أبو رزق لم تكن قد انتهت بعد، وهو كان موجوداً في اجتماع مجلس ادارة منظمة العمل الدولية في جنيف ورغم عدم اكتمال النصاب (الثلثين) أجرت وزارة العمل انتخابات وجرى تعيين غسان غصن رئيساً للاتحاد، فاحتل مكتب أبو رزق بعد تغيير القفل. مع العلم أن غصن، كما يقول أبو رزق، "لا تاريخ نقابياً له، لا بل لم ينتخب يوماً رئيساً لنقابة، بخلافي أنا الذي بقيت رئيساً لنقابة تلفزيون لبنان لمدة 36 عاماً".

ويضيف: "يقولون إن غصن كان أمين سر نقابة TMA، أين هي شركة TMA؟ عملياً الوصاية لم تفرّخ نقابات وهمية وحسب، وانما نقابيين وهميين أيضاً كغسان غصن".

ويؤكد ضروة الا يبقى البلد من دون حركة نقابية فاعلة، مقترحا لإنقاذها وإعادتها الى طبيعتها، "رفع يد رئيس مجلس النواب نبيه بري عن الاتحاد العمالي، وإبرام مجلس النواب الاتفاقية 87 مع منظمة العمل الدولية، لا سيما وأنها تعطي كل اللبنانيين بمن فيهم العاملون في القطاع العام، الحق بالتنظيم النقابي بحرية كاملة من دون الرجوع الى وزارة العمل او اي جهة في السلطة".

ودعا الحكومة "الى عدم استغلال ضعف الاتحاد العمالي وعجزه عن تنفيذ الاضرابات للضغط على السلطة ودفعها لتحقيق المطالب المعيشية"، لافتاً الى ان "استجابة الحكومة في النصف الساعة الاخيرة لمطلب تصحيح الاجور، "الذي جاء مبتورا"، هو من أجل "عدم كشف عورة الاتحاد العمالي العام، أو ما تبقّى منه، وعجزه وضعفه، من أجل الحفاظ عليه كأداة تستخدم لتحقيق مصالح 8 آذار السياسية عندما تقتضي الحاجة".



ضرب "باريس -2" هدف أساسي!

إذاً بعد 2001 صارت مهمة الاتحاد برئاسة غصن كما يقول النقابي عبد اللطيف ترياقي "الضغط على رئيس الحكومة رفيق الحريري من ضمن خطة شاملة يقودها لحود، لضرب خطته الاقتصادية وابتزازه في ملفات أخرى. فكان للاتحاد دور بارز في محاولة ضرب نتائج مؤتمر باريس2، وخصوصاً ما له علاقة بالاصلاحات والخصخصة في القطاعات التي تشكل عبئاً على الدولة".

ويشير ترياقي الى أن انصياع الاتحاد العمالي العام لتوجهات قوى 8 آذار كان واضحاً في كثير من الملفات والتحركات التي نفّذها في الفترة التي تلت اغتيال الحريري، أبرزها تلك التي اتخذت طابعاً سياسياً كإعلان الاتحاد العمالي بالتزامن مع حصار السرايا الحكومية العام 2007 نيّته تنفيذ سلسلة اعتصامات امام الوزارات الخدماتية وذات الطابع الاقتصادي. إلا أن المفارقة أن حجم المشاركة كان هزيلاً ما يدلّ على عدم ثقة الناس به وابتعاده عن القاعدة العمالية".

إذاً إعلان تحركات الاتحاد صار يأتي دائماً في توقيت سياسي يخدم في غالب الأحيان أجندة قوى 8 آذار، تماماً كما كانت حال الدعوة التي أطلقها في 7 أيار 2008. حيث شكل الاتحاد العمالي واجهة أو "فرقة سبّاقة" لغزوات "حزب الله" لكل من بيروت والجبل. فشكّل هذا التاريخ "وصمة عار" للاتحاد بعد أن شهد اللبنانيون "أياراً آخر" في 2004 في حيّ السلّم حيث كان عنوان الحركة في ذلك الحين "الغلبة والتطويع" أيضاً وإن اختلف حجمها وشكلها.

ويضيف ترياقي أنه "في إحدى المرات قررت قيادة الاتحاد أن تنفّذ تحركاً مطلبياً ضيقاً وحدّدت تاريخاً لذلك، إلا أن الوقت حينها لم يكن مناسباً على المستوى السياسي، فحضر فجأة النقابي بسام طليس (حركة أمل) الى اجتماع الاتحاد وقال "انا اقترح تأجيل الاضراب الى تاريخ آخر". وهكذا كان.

واللافت للانتباه بعد 2005 أن تعديلاً في ميزان القوى طرأ داخل الاتحاد من ضمن الفريق السياسي الواحد "إذ بدأت تتراجع سطوة النقابات التابعة لحركة أمل لمصلحة النقابات التابعة لحزب الله، الأمر الذي بدا واضحاً في الانتخابات الاخيرة لهيئة مكتب الاتحاد، إذ برز دور أساسي لحزب الله في إدارة هذه الانتخابات، وأعيد تركيب هيئة المكتب بما يكفل سيطرة الحزب".

بعد الانسحاب السوري من لبنان، بات الاهتمام أكبر بالاتحاد وبالدور المساند الذي يمكن أن يلعبه في العمل السياسي لتعويض الخسائر التي سُجلت مع غياب النفوذ السوري المباشر.

لكن البارز في تلك الفترة، كان استدعاء لجنة التحقيق الدولية الخاصة باغتيال الحريري رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن ونائبه بسام طليس للتحقيق معهما، ما عزّز الانطباع السائد حول دور الاتحاد كأداة سياسية، وكجزء من المنظومة المرتبطة بسلطة الوصاية.

ويعتبر النقابي مارون الخولي أن التحرك الذي قاده الاتحاد العمالي العام في 7 أيار تحت شعارات مطلبية لا سيما تصحيح الأجور، يُثبت انخراط قيادة الاتحاد في المنظومة السياسية لقوى 8 آذار، خصوصاً أن هيئة الانقاذ النقابية، (اي المعارضة النقابية) تمكّنت في 5 أيار، أي قبل يومين من الموعد الذي ضربه الاتحاد للاضراب والتظاهر، من الوصول الى حلّ مع الحكومة يقضي بزيادة الأجور 200 ألف ليرة، اي ما نسبته 70 في المئة من الحد الأدنى، مع مفعول رجعي، وزيادة بدل النقل 4 آلاف ليرة، إلا أن قيادة الاتحاد رفضت هذا الحلّ، وأعلنت مضيها بالاضراب، لأن تحركها مرتبط أصلاً بأجندة سياسية لتأمين التغطية لاجتياح بيروت في 7 أيار".

التسييس وتقاسم المغانم وجهان لـ"عمالة" واحدة

ولا يخفى على أحد أن قيادة الاتحاد كانت على مدار السنوات الماضية تتّخذ مواقف سياسية علنية، ممّا فاقم حال الانقسام داخل الحركة النقابية. وهذا يظهر تطوّر الخلاف بين القيادات النقابية، الذي كان يحصل قبل العام 2005 داخل مؤسسات الاتحاد، لكن بعد الـ2005 لم تعد تتحمّل المعارضة النقابية الممارسات السياسية لقيادة الاتحاد الذي عرّض البلاد لهزّة كبيرة كانت ستودي الى حرب أهلية جديدة، وهذا ما دفع الاتحادات المعارضة الى الخروج من الاتحاد العمالي واتخاذ مواقف واضحة من كل القضايا المطروحة.

الى جانب هذا الأداء السلبي، لم تغب المغانم عن سياسة قيادة الاتحاد لا سيما هيئة مكتبه، ومنها:

– تعيين10 ممثلين للاتحاد في مجلس إدارة الضمان الاجتماعي، يتقاضى كل منهم 200 ألف ليرة مقابل حضور كل جلسة لمجلس الإدارة، و200 ألف ليرة لحضور اجتماعات هيئة مكتب المجلس، من ضمن اجتماعات اسبوعية لهيئة المكتب وشهرية لمجلس الادارة. إضافة الى ذلك لعب هؤلاء دوراً اساسياً في إفشال أي محاولة إصلاحية جديّة في الضمان، خصوصاً خطة وزير العمل السابق بطرس حرب، التي أسقطت في مجلس الادارة بسبب مقاطعة ممثلي العمّال.
– حصر السفر الى الخارج بالقيادات العمالية التابعة لـ"8 آذار"، اضافة الى تقاضي هؤلاء تعويضات سفر أيضاً.
– تعيين ممثّلين للاتحاد في المؤسسة الوطنية للاستخدام من الشخصيات المحسوبة على 8 آذار، وتقاضيها بدلات مادية لحضور الجلسات.
– تسمية قيادات عمالية تابعة لقوى "8 آذار" في مركز التدريب المهني التابع لوزارة العمل، مع تقاضي بدلات مالية.
– كذلك الامر بالنسبة للجنة عمالة الاطفال في وزارة العمل، ومجالس العمل التحكيمي.

ويضيف الخولي "تم تفريغ الاتحاد العمالي بشكل كامل، ولم يبقَ منه عملياً سوى اسمه ومبناه. فمجلس المندوبين انتهت ولايته منذ ست سنوات، ولم ينتخب مجلس جديد. علماً أن ذلك يتمّ بالتزامن مع انتخاب هيئة مكتب الاتحاد التي انتخبت مراراً خلال هذه الفترة. وكذلك الأمر بالنسبة الى اللجان في المجلس التنفيذي التي من المفترض أن تشكّل الأدوات العملية للعمل النقابي، فهي غير موجودة أيضاً. وهذا يعني في الواقع العملي أن المؤسسات والهيئات الدستورية للاتحاد معطّلة وغير موجودة أصلاً من أجل حصر القرارات بهيئة مكتب المجلس التنفيذي للإمساك بقرار الاتحاد".

ويؤكد الخولي أن المجتمع المدني لا يرى أنه يوجد حالياً اتحاد عمّالي يمثّل القاعدة العمالية. ان عدم الثقة بالاتحاد أثّر على العمل النقابي، وهذا نلمسه من عدم استجابة الناس والقاعدة العمالية لدعوات الاتحاد الى الاضراب او التظاهر، حتى لو كانت هذه الدعوات تتعلّق بقضايا مطلبية تهمّ الناس بشكل أساسي. وعلى سبيل المثال، دعا الاتحاد مراراً الى التظاهر دفاعاً عن الضمان الاجتماعي إلا أن عدد المشاركين لم يتجاوز الـ50 شخصاً، الأمر الذي تكرّر في حالات أخرى مماثلة".

أما النقابي جورج علم فيعتبر أن الاتحاد يمثّل حالياً مجموعة مصالح خاصة تتحكّم بكل شيء. وهو يُدار عبر قرارات صادرة من الأحزاب، لا سيما حركة "أمل" و"حزب الله"، الأمر الذي يظهر جلياً في الاضراب الأخير الذي أعلنه الاتحاد ومن ثمّ تراجع عنه بقرار سياسي واضح، عبر التفاهم الذي توصّل إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري مع باقي الافرقاء، ومن ثم استدعى قيادة الاتحاد العمالي ليبلغها مضمون الاتفاق".

ويلفت الانتباه الى تصاعد نفوذ "حزب الله" داخل الاتحاد العمالي، مشيراً الى انتخابات هيئة مكتب الاتحاد الأخيرة، حيث أظهرت أن "الأكثرية داخل المجلس التنفيذي لا تزال لدى حركة "أمل" في حين أن القرار بات في يد حزب الله".

ولكن، يُجمع النقابيون الذين شاركوا في هذه الحلقات، على "أن الاتحاد العمالي العام مؤسسة حيوية بالنسبة الى اللبنانيين، ومن الضروري الحفاظ عليها وإعادتها الى موقعها ودورها الطبيعي، لأنه من دون الاتحاد العمالي لن يستقيم العمل النقابي، ولن تتحقّق العدالة الاجتماعية بالنسبة للأكثرية الساحقة من المواطنين. لكن من أجل استعادة هذا الدور لا بدّ من أن تدبّ فيها "روح الربيع" الذي لَفَحَ المنطقة بأسرها، من أجل قيام قيادة نقابية جامعة وفاعلة وممثّلة لشريحة كبيرة من اللبنانيين، بحيث تدافع عن مصالحهم لا عن مصالح الوصايات الحزبية التي طالما تحكّمت بالاتحاد وباللبنانيين في آن.

الحلقة الأولى: تمرَّدَ الاتحاد.. فردّت الوصاية بتعيين "وزيرها" الأمين
الحلقة الثانيّة: الوصاية غيّرت قواعد اللعبة.. فصار الاتحاد اتحادات

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل