أفضل ما يقال عما شهده مجلس النواب الاربعاء بشأن قضية اللاجئين اللبنانيين الى اسرائيل أنهم "باعوهن من كيسهم"، إذ تمّ تكريس النهج الذي فرضه "حزب الله" منذ العام 2000 في التعاطي مع هذا الملف وشرعته.
فبعد مناقشة الاقتراح المعجل – المكرر، طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري صيغة معدلة تلحظ اجراء "محاكمة عادلة لمن فرّ الى اسرائيل وانضم عسكريا في أي حين في حال عودته ويسلم الى وحدات الجيش، أما المواطنون الآخرون الذين لم ينضووا عسكريا وأمنيا بمن فيهم زوجاتهم وأولادهم الذين لجأوا الى الاراضي المحتلة، فيسمح لهم بالعودة ضمن آليات تطبيقية تصدر بمراسيم في مجلس الوزراء خلال سنة". وأقر المجلس هذه الصيغة معدلة.
فأي جديد حملته هذه الصيغة؟!
في الاساس جميع من يعود من إسرائيل ممن خدم عسكريا في "جيش لبنان الجنوبي" يخضع لمحاكمات منذ قيام هذه القضية في العام 2001 ولا جديد في ذلك وعائلته تخضع للتحقيق ويفرج عنها في حال لم توجد صلة مباشرة.
اما المحاكمة العادلة فهي عنوان فضفاض، ومفهوم العدالة كما معظم الامور عندنا "وجهة نظر". فيما العدالة الحقيقية تقضي النظر بالظروف التي اوصلتهم الى التعاطي مع إسرائيل يوم تخلت الدولة عنهم واصبحوا طريدة سهلة أمام "وحوش" تلك الحقبة، وللتذكير فـ"جيش لبنان الجنوبي" الذي أسسه الرائد في الجيش اللبناني سعد حداد – يوم تعذّر على قيادته متابعة التواصل معه – بهدف التصدي لانتهاكات الفلسطينيين ومن لف لفيفهم للسيادة اللبنانية وحماية الاهالي، ظل ضباطه وعناصره التابعين للجيش اللبناني وفي مقدمهم الرائد حداد يتقاضون مرتّباتهم الشهرية من الدولة اللبنانية لسنوات عدة. والعدالة الحقيقية تقتضي السؤال عن من مارس عليهم "عملية تهجير نفسية" يوم هددهم بذبحهم في أسرتهم عشية الانسحاب الاسرائيلي وتحرير الجنوب في العام 2000.
أما حديث بعضهم عن أمن المقاومة، فهل هو مشروع سيف مسلط بإستطاعتهم إستعماله متى يشاؤون بحق العائدين؟ وهل "أمن المقاومة" كمبدأ "Persona Non Grata" (أي شخص غير مرغوب به) في الدبلوماسية ، فيصبح من حق "حزب الله" أن يصنف الناس ويصدر لهم سجلات عدلية؟! وهل ستشمل مدارس إعادة التأهيل المقترحة العملاء الذي يكتشفون في صفوف "حزب الله" وحلفائه؟! وهل يمكن أن تتوسع لتضم من ولائهم للخارج يتقدم على ولائهم للوطن؟!
يكفي التذكير باقتراح القانون الذي تقدم به "حزب الكتائب" والذي تؤيده "القوات اللبنانية" لمعرفة ما هو مطلوب جدياً لحل هذا الملف الذي أصبح عبئاً إنسانيا على لبنان، عوض الاكتفاء بـ"عراضة إعلامية" في ساحة النجمة. وقد نص هذا الاقتراح على منح عفو عام – مضبوط زمنيا بمهلة سنة للاستفادة منه – عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 31 كانون الأول 2000 المنصوص عنها في المواد 273 حتى 298 ضمناً من قانون العقوبات اللبناني. وبالتالي تسقط دعاوى الحق العام والأحكام وكافة المحاكمات وتكف التعقبات ولا يجوز إحالة أي من القضايا أو الدعاوى أو الملفات المشمولة بهذا القانون على أي مرجع قضائي. وتنتفي حكماً صلاحية جميع المحاكم العادية والاستثنائية بإعادة المحاكمة أو الطعن في الأحكام التي صدرت، ويفرج عن المحكومين فور صدوره. كما تمحى أثار جميع الأحكام التي صدرت بالجرائم المذكورة أعلاه وتعتبر كأنّها لم تكن وتشطب قيودها أينما وجدت وخاصة في مختلف السجلات العدلية.
كذلك نص انّ دعاوى الحق الشخصي الناجمة عن جرم جزائي شمله العفو الكامل أو مرور الزمن فتفصل فيها المحاكم المدنية أو الإدارية المختصة وتطبق بشأنها قوانين الرسوم المعمول بها في الدعاوى المدنية أمام القضاء الجزائي ويبقى للمدّعي الحق عند تنفيذ الحكم بالتعويض الصادر عن المحاكم الجزائية أو الإستثنائية وعلى مختلف درجاتها أن يطلب حبس المحكوم عليه إكراهاً عملاً بالمادة 446 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادة 997 من قانون أصول المحاكمات المدنية والمادة 146 من قانون العقوبات.
المطلوب إذاً طي صفحة مؤلمة، لأن لا دولة تعيش ما عاشه لبنان من حروب أهلية متداخلة مع صراعات إقليمية ودولية، وتستطيع النهوض إن لم تعش مصارحة ومصالحة وعفواً حقيقيأ غير مجتزأ او مفصل على حساب اشخاص.