كتبت صحيفة "النهار": لم تختلف الانطباعات اللبنانية حيال التطور المفاجئ الذي تمثل بموافقة النظام السوري على خطة الجامعة العربية لوقف العنف في سوريا وسحب الوحدات العسكرية السورية من الشارع، عن معظم الانطباعات التي سادت العالم العربي والغربي. فالشكوك في حقيقة ما يضمره النظام السوري تغلب على الآمال في نجاح هذه الخطة، وفي أفضل الاحوال لا بد من فترة انتظار لأسبوعين او ثلاثة كفسحة اختبار ميدانية وعملية لمعرفة ما اذا كان من تحول جدي لدى النظام لتغيير نمط الحل الامني القمعي ام ان الأمر لا يعدو كونه مناورة تهدف الى شق المعارضة بشطريها الداخلي والخارجي وتخدير الضغوط الدولية عليه ومحاولة توظيف هذه المناورة سياسياً وديبلوماسياً عبر "هدنة" أمنية عابرة.
ويبدو مثيراً للاهتمام في هذا المجال ما تسوقه أوساط لبنانية عايشت حقبات الوساطات العربية على مشارف نهاية الحرب بين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، أي عشية ابرام اتفاق الطائف، اذ انها ترى وجوه تشابه عدة في المقارنة بين التجربتين اللبنانية والسورية على رغم الاختلاف الكبير في ظروف كل منهما. وتلفت هذه الاوساط الى ان لبنان عرف في تلك الحقبة انهيارات متعاقبة للوساطات العربية التي تمثلت تباعاً بلجنة سداسية عربية شُكلت على اثر تشكيل الحكومة العسكرية الانتقالية برئاسة العماد ميشال عون ومن ثم وساطة الامانة العامة للجامعة العربية التي كان يشغلها الاخضر الابرهيمي وصولا الى اللجنة العربية الثلاثية التي ضمت السعودية وسوريا والجزائر، وأضحت "القابلة" العربية التي استولدت اتفاق الطائف. ولان النظام السوري يشكل العامل الثابت المستمر بين التجربتين، تلمح الاوساط نفسها الى امكان استعادة الورقة الشهيرة التي قدمها الاخضر الابرهيمي عام 1989 من نقاط عشر لوقف ما سمي بـ"حرب التحرير" بين العماد عون والقوات السورية. والتي افضت الى اطلاق مكوكية تفاوضية ديبلوماسية بين موجات تصعيد عسكري وهدنات متقطعة اسست لاحقاً لانعقاد مؤتمر الطائف. ولا ترى ضيراً في مقارنة خطة الجامعة العربية حيال الازمة السورية الآن بخطة الابرهيمي، مع فارق جوهري اساسي هو اختلاف الظروف العربية والدولية راهناً اختلافاً جذرياً عن تلك الحقبة، ناهيك بأن موضوع الوساطة العربية هذه المرة يتعلق بصراع داخلي سوري وليس بصراع لبناني – سوري.
ومع انه يبدو مبكراً سوق توقعات مسبقة ثابتة في شأن المبادرة العربية الحالية، تضيف الاوساط نفسها ان حظوظ صمود هذه المبادرة ونجاحها تتوقف على عاملين: اولهما إثبات جدية الجامعة في ملاحقة تنفيذها بحذافيرها من دون ان تتحول عنواناً لتشريع إفراغ مطالب المعارضين السوريين من مضمونها وتعويم وضع النظام على حساب الثورة، وثانيهما التزام النظام وقف دورة القمع الامني والعسكري وقفاً نهائياً مقترناً بجدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية السياسية لئلا تغدو الهدنة المحتملة التي تعمل الجامعة العربية على إحداثها مسبباً لعنف اكبر وتفجير اوسع نطاقاً مما حصل حتى الآن. وتشير الاوساط السياسية اللبنانية الى ان تجربة الوساطة العربية في لبنان، وان كانت افضت الى التأسيس لمؤتمر الطائف الذي وضع حداً نهائياً للحرب، اقترنت بأكلاف باهظة لا شيء يضمن تكرار استعادات مشابهة لها في الوساطة الحالية في سوريا. ذلك ان هذه الوساطة توفر للنظام السوري مواجهة الضغوط الدولية بالعباءة العربية التي يمكنه رفعها في وجه الدول الغربية في كل مرة تحاول هذه ممارسة الضغط عليه لمحاولة حمله على التنحي عن السلطة. وفي مقابل هذا الغطاء سيتعين على الجامعة العربية ان تحذر خطورة سقوط دورها وصدقيتها في وقف دورة العنف ان اعتبرت المعارضة ان وساطتها ستتحول الى مطية لضربها وتشتيتها وتشريع مقلب جديد من الأزمة بحيث تطبخ مشاريع حلول على حساب بعض قواها في الداخل والخارج، تماماً كما حصل في لبنان حيث خرج اطراف بعد الوساطة العربية واتفاق الطائف من دائرة الحل وشكلوا مبعث اثارة مستمرة للأزمات والنزاعات حتى يومنا الحاضر. وتضيف هذه الاوساط ان الاسابيع المقبلة تتسم بأهمية حاسمة للحكم على مجمل الصورة المرتسمة غداة قبول النظام السوري بالمبادرة العربية، اذ انها لن تضع النظام ومعارضيه وحدهم امام محك مصيري لتبين الاتجاهات التي ستسلكها الازمة في سوريا، بل انها ستضع ايضا الجامعة العربية ووساطتها وكل ما علق عليها من حسابات وتقديرات وآمال على محك أصعب، بحيث ان اي استئناف لهذه الوساطة سيغدو اصعب بكثير في حال انهيارها وتجدد العنف على نحو اقسى من السابق، خصوصاً ان طرفي الازمة لن يسلّما تكراراً بها، كما ان المجتمع الدولي لن يسمح تكراراً بفترة سماح ثانية لها متى تبين انها لم تكن اكثر من هدنة يفيد منها النظام لإعادة لملمة اوضاعه.
اما انعكاسات ذلك على لبنان، فلا تبدو راهناً في مقدم الاولويات لان الوضع اللبناني يبدو اقرب الى التوقف عند مشارف الانتظار وملء الوقت الضائع بالملفات الداخلية أو بعضها في حين ان اي حسم للتوجهات على المدى المتوسط والبعيد باتت كلها برسم معرفة اتجاهات الرياح في سوريا.