#adsense

من هم شبّيحة الأسد؟

حجم الخط

"الجدع جدع والجبان جبان
بينا يا جدع ننزل الميدان
والميدان بعيد عن جوف المدينة
يا تار الشهيد في دير ياسين وسينا"
أحمد فؤاد نجم
 
في ثمانينيات القرن العشرين، وبعيد عودة القوات السورية الى طرابلس بعد استسلام حركة التوحيد واغتيال خليل عكاوي ومجزرة التبانة التي نفذتها مجموعات مما عرفناه لاحقاً بالشبيحة، ساد هرج ومرج في شارع عزمي، وهو أحد الشوارع الرئيسية في طرابلس، عرفنا بعدها أن أبناء جميل الأسد، أولاد عم بشار الأسد، اجتاحوا مع مجموعة من الشبيحة المحال التجارية في هذا الشارع واستولوا على المئات من قطع الثياب الفاخرة من الماركات المعروفة عالمياً، بالإضافة الى بعض الحلي والساعات. ويقال أيضاً انهم استولوا على عدد من السيارات التي كانت معروضة للبيع.

بالمختصر، فقد تعرفت طرابلس يومها على نوع من الممارسات التي أطلقتها عائلة الأسد وحاشيتها في مدينة اللاذقية الساحلية، التي كانت يوماً العاصمة المفترضة للدولة العلوية.
من بعدها أصبحت لفظة "الشبيحة" وفعل "التشبيح" مستعملين على نطاق واسع. هذه التعابير ليست جديدة إذاً على اللغة الدارجة في سوريا فهي تشير الى أفراد يقومون بأعمال خارجة عن القانون من دون حسيب أو رقيب وذلك لنسبتها الى شخصيات نافذة في أجهزة الأمن والدولة، ويشير السوريون بالتحديد الى آل الأسد وبعض العائلات التي تنسب اليهم بالمصاهرة أو بالمصالح السياسية والأمنية.

ولا يعرف أساس هذه اللفظة، فقد تكون منسوبة الى الشبح وقدرته على التخويف، أو الى السيارة المعروفة باسم الشبح (من انواع المرسيدس) والتي كان يستقلها بعض الشبيحة، بعد الاستيلاء عليها، ولكن بالمعنى فهي تشابه لفظة "البلطجية" ذات الأصل التركي والتي تشير الى شخص قوي البنية يستعمل البلطجة كسلاح. كما أن هذه اللفظة تستعمل من يوظف قدراته البدنية واللاأخلاقية في خدمة الشخصيات النافذة ليقوم بالنيابة عنها بالأعمال القذرة.

تركزت ظاهرة الشبيحة أولاً في مدينة اللاذقية، وكان أشهر زعماء الشبيحة فواز جميل الأسد، ومحمد الأسد الملقب بشيخ الجبل، وكان له في أيام رفعت الأسد فرعه الخاص بالتشبيح. وكانت الشبيحة فرقاً متعددة ومتنافسة، تتبع كل منها زعيمها الخاص، وكثيراً ما كانت تتقاتل في ما بينها في معارك شوارع أشبه بمعارك المافيا في شوارع شيكاغو أيام آل كابون، ولكن كلها كانت تحت الحماية المباشرة لنظام الأسد. وقد تغلغلت هذه الظاهرة في كل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وصار لها مرافئ تهريب خاصة بها وتركزت أعمالها على تهريب الممنوعات والتهرب من الجمارك، وتضم شبكة شبه هرمية من البائع المتجول في الشوارع الى أكبر المستوردين والمتمولين.

وبالطبع ترافقت هذه الظاهرة مع أنشطة واسعة من ظواهر المافيا مثل القتل والترهيب وأعمال الاغتصاب التي كانت تجد دائماً من يغطي آثارها في السلطة.
ويتمادى البعض في وصف ظاهرة الشبيحة لتصبح سمة عامة في المجتمع السوري فتشمل التشبيح في السياسة وذلك من خلال ممارسات السلطة في حق نشطاء المعارضة من خلال زجهم في السجون أو تعذيبهم كما حصل مؤخراً مع الرسام الكاريكاتوري علي فرزات. كما يشمل ذلك المحاكمات الاستثنائية خارج الأطر القانونية ومنع السفر والتهديد. وهناك ظاهرة التشبيح الاقتصادي من خلال سيطرة مافيا السلطة على مختلف الأنشطة الاقتصادية خارج إطار المنافسة المتوافق عليها ضمن الاقتصاد الحر، وايضاً التشبيح الثقافي بفرض شعارات وشخصيات لتمثل الرموز الثقافية الوطنية، بالإضافة الى التشبيح الأكاديمي من خلال فرض المحسوبين بغض النظر عن كفاءاتهم كمرجعيات جامعية ومنح الشهادات والألقاب بغض النظر عن نتائج الامتحانات.

والتشبيح الاداري يشمل حماية الفساد والمفسدين وترقيتهم بحيث أصبح الفساد جزءاً لا يتجزأ من عمل البيروقراطية السورية. أما عن القضاء فحدث ولا حرج بحيث يصبح التشبيح وسيلة لابتزاز المواطنين من خلال التلاعب بحقوقهم وحرياتهم.

هذا بالطبع غيض من فيض، ونحن في لبنان عانينا هذه الظاهرة بحيث أصبح التشبيح السمة الملاصقة لعمل مخابرات النظام السوري أثناء سنوات الاحتلال. فعدا افساد كل أشكال الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد تم قتل الآلاف من اللبنانيين وترهيبهم بالمنطق نفسه للشبيحة في سوريا لا بل بممارسة أشد قسوة وخبثاً.

كل ما ذكرته سابقاً هو مظهر من مظاهر التشبيح السوري، ولكن الشبيحة الذين يتحدث عنهم الإعلام هم مجموعات من المرتزقة تعد بعشرات الآلاف، ويصل ما يتقاضونه من معلميهم الى ثلاثة آلاف ليرة سورية يومياً وذلك حسب المهمة وخطورتها، وتنسب اليهم اليوم عمليات القتل والخطف والترويع. وللأسف فإن معظم هذه المجموعات ينسب الى الطائفة العلوية مما زاد في الاحتقان الطائفي في هذا البلد.

أما في لبنان، وبعد خروج القوات السورية، فقد تسلمت دور الشبيحة على مدى السنوات الست الماضية مجموعة من الاحزاب المتحالفة والمستفيدة بشكل أو بآخر من النظام السوري. ويأتي حزب ولاية الفقيه على رأس هذه المجموعات، لا بل تولى قيادتها عملياً منذ يوم تظاهرة "شكراً سوريا" الارهابية في 8 آذار 2005، مروراً بعمليات الارهاب والتفجير واحتلال الساحات والسابع من أيار الى موقعة القمصان السود، بالإضافة الى سلسلة الخطب والممارسات التشبيحية التي تقوم بها قيادات هذا الحزب وخطباؤه. وآخر هذه الأعمال كانت عملية الاحصاء المشبوهة التي يقوم بها هذا الحزب للعمال السوريين في لبنان لنشر جو من الارهاب عليهم ولإعلامهم أنهم إن هربوا من شبيحة سوريا الأسد، فللأسد شبيحة محليون. وتشمل قائمة الشبيحة بعض عناصر الأمن الرسمية، وعناصر السفارة السورية في بيروت، وبعض الأحزاب التي تشارك في قمع التظاهرات أمام السفارة السورية. ويمكن اليوم إضافة حزب "الطاشناق" الذي حاول تطفيش الأكراد السوريين من مناطق سيطرته.

إن تجربة كل الشعوب أكدت أن هذا النوع من الممارسات لا يمكنه أن يوقف مسيرة التاريخ ولا سعي الشعوب الى الحرية والكرامة. وغداً عندما تتحرر سوريا سيبقى الوطن للشرفاء أما الشبيحة فإلى مزبلة الذاكرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل