تُجمع أوساط معارضة على أنّ انفجار الصراع الحادّ بين مختلف مكوّنات الأكثرية الجديدة، تأخّر بعدما كان متوقّعاً منذ أشهر. فالأحجام السياسيّة المضخّمة التي ظهر في ثوبها البعض كالتيّار الوطنيّ الحرّ كمحرّك أساسيّ لمشروع "الممانعة الداخليّة"، قد سقط بعد انقشاع الرؤيا وظهور التجاذبات وتضارب المصالح والانقسامات على المستوى الحكوميّ، والفشل في مواجهة التحدّيات الاجتماعية والسياسية والأمنية، ممّا يؤشّر إلى اصطفافات جديدة ضمن الفريق الحاكم بعد استئثاره لأشهر عدة في الإمساك بزمام السلطة وحيداً، ووعوده بإعطاء نموذج من الازدهار ومكافحة الفساد، والتي بقيت من دون ترجمة. ونقلت هذه الأوساط عن مصادر مقرّبة من التيّار، أنّ قيادته وقعت مرّة أخرى أمام أزمة خيارات على صعيدين: إختيار وزراء تمّ احتسابهم من رصيده السياسيّ، وتبيّن لاحقاً عدم ولائهم المطلق، بحيث بات بعضهم يسير وفق خريطة طريق خاصّة، بعيداً عن التيّار، فيما البعض الآخر عاد وتقرّب من خط رئيس الجمهورية ميشال سليمان، فكان ولاؤه للدولة والقانون بعيداً عن الحسابات التي وضعها الجنرال وسار في ظلّها.
وكشفت المصادر المقرّبة من العماد عون عن استيائه من وزير الداخليّة مروان شربل، بحيث إنّ مواقفه الداعمة للّواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن، وعدم التجاوب مع رغبة عون بإحالتهم إلى القضاء ومعاقبتهم، إضافة إلى مخاصمة وزير الداخليّة للنائب نبيل نقولا، والذي وصل الحدّ به إلى الشكوى من الوزير شربل، بأنّ الأخير وجّه إليه خلال اتّصاله الهاتفيّ به "كلاماً بذيئاً" كما وصفه نقولا، وهو ما اعتبره التيّار نقطة تحوّل وقراراً اتّخذه شربل علناً بمواجهة "البلطجة" السياسيّة، كما وصفها أحد نوّاب المعارضة التي يمارسها التيّار بحق حلفائه وخصومه في آنٍ معاً.
وإلى جانب ملفّ عون ـ شربل، ثمّة "جمر" تحت رماد العلاقة بين عون ووزير العدل شكيب قرطباوي، الذي استطاع السير بين الأشواك السياسيّة والمعطيات المعقّدة التي تعترضه بعيداً عن إملاءات عون، والتي تنتظر "أمّ الملفات" وهي تمويل المحكمة الدولية. وقد سبق ونقل بعض زوّار الرابية استياءَه من أداء عدد من وزرائه والمحسوبين عليه، عدا أولئك الذين يدورون في فلكه بشكل ثابت وينصاعون لرغباته وقراراته.
بموازاة ذلك، فإنّ ملفّ عون ـ "حزب الله" بات يثقل أجندة قوى 8 آذار، حيث تزدحم عمليّة خلط الأوراق داخليّاً وخارجيّاً، إذ إنّ مصير عون السياسيّ بات مرهوناً باستحقاقات مفصليّة، من بينها مصير النظام السوريّ الذي يعوّل عليه، ولم يخفِ أمام مقرّبين منه رهانه على ديمومته، ذلك أنّ سقوط هذا النظام يعني رجحان كفّة قوى الرابع عشر من آذار على عتبة الانتخابات النيابية المقبلة، فيما يبقى حاليّاً الفريق الأضعف داخليّاً في الوقت الذي يبقى فيه حليفه السياسي "حزب الله" الأقوى على هذا الصعيد، لجهة رهان هذا الأخير على لعب ورقة ضاغطة للتفاوض في خضمّ التحوّل إلى حزب سياسيّ صرف في التسوية الداخليّة.
من جهة أخرى، وكما أضافت الأوساط المعارضة، فقد شكّل تموضع النائب وليد جنبلاط، صفعة لفريق الثامن من آذار، بعدما شكّل على الدوام "بيضة القبّان" في ميزان المعادلة الداخليّة، وقبل أن يترجم سجالات حادّة على طاولة مجلس الوزراء بين وزراء الحزب التقدّمي الاشتراكي ووزراء التيّار العونيّ، ممّا يشكّل تحدّياً إضافيّاً أمام الأكثريّة. وانطلاقاً من هذا الواقع، برز حماس العماد عون لاستصدار قانون عفو عن اللاجئين إلى إسرائيل لاعتباره عاملاً مساعداً في كسب نقاط لرصيده في حملته الانتخابية المقبلة . لكنّ الأوساط استدركت مشيرة الى أنّ العفو هو بمثابة شيك من دون رصيد، وورقة خاسرة لأسباب عدة: أوّلها أنّ هؤلاء سيُحالون الى المحاكمة لإدانتهم بالجرائم التي نسبت إليهم، وثانيها أنّهم سيُسَلَّمون بداية الى الأجهزة الأمنيّة لـ"حزب الله" للتحقيق معهم بغية الحصول على معلومات تفيد المقاومة، وثالثها أنّ العائدين سيتعرّضون لملاحقة قضائيّة ولصدور أحكام قد تجرّدهم من حقوقهم السياسيّة والمدنيّة، ممّا قد يحرمهم من حقّ الانتخاب في الاستحقاق الانتخابيّ المقبل، ورابعاً يبرز احتمال أن يضفي "حزب الله" على العائدين طابع العملاء لإسرائيل.
وخلصت الأوساط المعارضة إلى أنّ العماد عون في مأزق، ولم يعد يخفي هواجسه، ووجّه أخيراً رسائل في أكثر من اتّجاه، وخصوصاً للحزب، عندما أعلن أن "لا إصلاح دون مقاومة" و"لا مقاومة دون إصلاح"، وذلك بفعل تعرّضه للصدمات في ملفّات لاسا والحدث وريفي والحسن والعميد فايز كرم، وصولاً إلى التعيينات الإداريّة، وتحديداً في القضاء، ممّا دفعه إلى التلويح بقلب الطاولة والتأكيد أنّ انتخابات 2013 النيابية ستكون "آخر فرصة للإصلاح".