
كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية": لم تعلن القوى السياسية المسيحية مواقف حاسمة في ما خصّ قانون الانتخابات. والأرجح أنّ هناك انتظاراً لما ستُسفر عنه اللقاءات التي ترعاها بكركي في بلورة تصوّر مسيحيّ مشترك. ولذلك، هناك أسئلة تطرحها أوساط مسيحيّة عمّا إذا كان استعجال الحكومة الحاليّة لإنجاز قانون للانتخاب، هدفه الإفادة من أوراق القوّة التي تمتلكها السلطة القائمة، خوفاً من تطوّرات داخلية وإقليمية داهمة، قد تضعف هذه السلطة أو تؤدّي الى سقوطها بالكامل.
لكنّ القوى المسيحيّة تدرس الخيارات في دقّة. وهي عموماً تُوازن بين الرغبة في تحسين مستوى التمثيل المسيحيّ في المجلس النيابي المقبل، والمعطيات الواقعية التي تفرضها خصوصيّة اللعبة السياسية الداخلية. وضمن هذا المنظار تدرس "القوات اللبنانية" خياراتها لانتخابات 2013 النيابية.
نعم للمشروع الأرثوذكسيّ
المصادر المتابعة لموقف "القوات" تسارع الى التأكيد: بالنسبة إليها، الخيار الأفضل بين المشاريع والأفكار المتداولة انتخابيّاً هو بالتأكيد ذلك الذي طرحه "اللقاء الأورثوذكسي"، القائم على مبدأ انتخاب كلّ طائفة نوّابها. فهو يضمن المناصفة الحقيقيّة لا الشكليّة بين المسيحيّين والمسلمين، ومن خلاله يكون النوّاب الـ 64 المخصّصين لكلّ طائفة ممثّلين فعليّين لها. وليس في الإمكان الحصول على نتيجة مماثلة في أيّ من القوانين الأخرى المطروحة.
ولكن، إذا لم يتمّ التوافق وطنيّاً على هذا المشروع، فيمكن اعتماد قانون يجمع بينه وبين الطروحات النسبيّة. فـ"القوات" تؤيّد مبدأ النسبية لأنّها توفّر قدرة لتمثيل المسيحيّين، تفوق ما يوفّره القانون الأكثري الذي جرى اعتماده في العام 2009. ومع أنّ النسبيّة ربّما تمنح فريق 8 آذار هامشاً أوسع، فإنّ "القوات" تؤيّدها، وتعتقد أنّها تشكّل مدخلاً ممكناً لتصحيح التمثيل. كما أنّها تتوقّع، بناء على دراسات للدوائر الحاليّة، أن يؤدي اعتماد النسبية الى مضاعفة حجم "القوات" التمثيلي في المجلس النيابي المقبل. ويدرك "التيّار الوطنيّ الحرّ" وحلفاؤه المسيحيّون ذلك.
النسبيّة ملائمة… نسبيّاً
لكنّ اعتماد النسبيّة خاضع للبحث مع القوى السياسيّة، ولا سيّما تلك الحليفة كـ"تيّار المستقبل" الذي يعتبر طرحها وسيلة لتحجيم تمثيله السنّي. كما أنّ النسبيّة، التي قد تخدم التمثيل المسيحيّ في المدى القريب، ستكون عاجزة عن تحقيق ذلك في مدى أبعد، إذا ما بقيت الهوّة تتّسع بين المسيحيّين والمسلمين ديموغرافيّاً. فهي إذا أمّنت اليوم وصول 50 نائباً مسيحيّاً يمثّلون قواعدهم من أصل 64، على سبيل المثال، فهي لن تتيح لاحقاً وصول هذا العدد على الأرجح، بسبب التراجع المفترض لعدد المسيحيّين تدريجاً، دورة بعد أخرى، ووفقاً للخطّ البياني الذي يسجَّل منذ عقود.
ويجري بحث الملفّ الانتخابي حتى اليوم، حزبيّاً، ضمن الهيئة العامّة والهيئة التنفيذيّة. ويتمّ التداول أيضاً بمشروع "الصوت الواحد للمرشّح الواحد"، الذي ينصّ على أن يصوّت كلّ ناخب لمرشّح واحد في دوائر فرديّة أو متعدّدة. لكنّ هذا المشروع لا يحظى بتوافق سياسيّ واسع. كما أنّه ليس بالضرورة كفيلاً بتأمين التمثيل المذهبيّ والجغرافيّ والسياسيّ، لأنّ الذين يوصلهم الى المجلس ليسوا حُكماً ممثّلين للأكثرية.
وأمّا الدائرة الفردية فهي جديرة بالبحث، لكنّها تهدّد بإضعاف الحياة السياسيّة على مستوى الأحزاب والتيّارات، لمصلحة الأفراد الذين قد يكونون قادرين على الوصول بسبب قدرتهم التقنيّة والماليّة على خوض معارك ناجحة، وليس بسبب برامجهم أو أحزابهم السياسيّة.
خيارات العودة إلى القديم
ولكن، إذا تعذّر الاتّفاق على قانون انتخابات جديد، يبقى الخيار الوحيد هو قانون 1960 الأكثريّ. وفي هذه الحال، ترى "القوات" ضرورة تحسينه من خلال تعديل بعض الدوائر، ليكون قادراً على تأمين تمثيل مسيحيّ في شكل أفضل. ومن الأمثلة على ذلك، خلق دائرة في عكّار أو أخرى في الزهراني أو سواها، يكون فيها حضور فاعل للناخب المسيحيّ. فقانون 1960 لم يكن، حين تمّ إحياؤه قبل ثلاث سنوات، الأفضل لتمثيل المسيحيّين بعد نصف قرن من المتغيّرات، ولو جرى اعتباره أفضل من القوانين البالغة السوء التي سبقته.
ويبقى الملفّ الانتخابيّ مدار مداولات داخل المؤسّسة الحزبيّة. لكنّ "القوات" تعتبر أنّ من المبكر حسمه في ظلّ التطوّرات الساخنة والمتسارعة. لذلك هناك هدوء في التعاطي معه، إفساحاً في المجال لتبلور توافق مسيحيّ من خلال لقاءات بكركي والمشاورات مع القوى السياسيّة، ولا سيّما الحليفة منها.
وتقول أوساط مسيحيّة إنّها تلمس انطباعاً لدى "القوات" بضرورة التوافق مع الحلفاء على تجنّب الأخطاء التي وقعت في انتخابات 2005، على غرار عدم تمثيل "القوات" بمرشّح في الأشرفية أو عكّار مثلاً، حيث لها قواعد يجدر تمثيلها. وكذلك عدم وقوع بعض الحلفاء أسرى ارتباطات وتحالفات مناطقيّة هامشيّة ساهمت في إضعاف لوائح 14 آذار في انتخابات 2009، أو خسارتها بعض الدوائر المسيحيّة الحسّاسة في جبل لبنان.
وفي أيّ حال، ما زال مبكراً حسم الموقف إزاء الملفّ الانتخابيّ في معراب. وهناك أكثر من خلط أوراق، وأكثر من ربيع لبنانيّ وعربيّ، يسبق ربيع 2013.