#dfp #adsense

المبادرة العربية لإنقاذ النظام السوري أم لإسقاطه؟

حجم الخط

الغريب أن الذين هلّلوا للثورات العربية عندما اندلعت في تونس ومصر، "حبسوا" تهليلهم، وارتدوا على "مواقفهم الثورية"، عندما شبّت الثورة في ليبيا وفي سوريا. وكم سمعنا من أفواه هؤلاء "فليسقط الطاغية في مصر" و"ليسقط الطاغية في تونس"، وهي "ثورة الجياع" (كما صرّح السيد حسن نصرالله في تهاليله المدوية) في الميدان، وأخرى للحرية في ساحة بورقيبة. انطلقت كل أبواقهم وانفلتت كل "شاشاتهم" تُكبر إرادة الشعبين المصري والتونسي في انتفاضتهما.. وهكذا عندما اشتعلت الثورة الليبية بدأ الأمر يشوبه ما يشوبه، فاختلط التأييد الظاهر "بالخوف" المضمر. فالقذافي أخفى السيد موسى الصدر مثلاً، لكن القذافي حليف النظام السوري، وقد أرسل إليه هذا الأخير طيارين قصفوا المتظاهرين في بنغازي ومصراته. وعليه فإن بعض "المنصات" الإعلامية لـ8 آذار مثلاً اشتعلت تأييداً للثورة الليبية، وخصصت برامج على مدار الساعة تدين "الطاغية" وتدعو الى تدمير نظامه. لكن لم تذكر هذه المنصات، خصوصاً "العالية" منها لدى حزب الله وسواه نقداً لمن يناصر هذا النظام الفاشي من حلفائها الإقليميين.

وهذا ما حصل مع الثورة اليمنية عندما تلألأت الأدوات الإعلامية والسياسية في مديح "الثوار" ضد الرئيس صالح، لكن لم ترشق ولو بكلمة من يرسل المساعدات والطيارين لدعم النظام اليمني (أخيراً قتل ثمانية طيارين سوريين في اليمن).

ولا ننسى كيف التف بعضهم على "الربيع العربي" نفسه، فراح يعمد الى تشويهه، حتى في مصر وتونس. فالمنابر السورية مثلاً بدأت تنعى كل هذه الظواهر بعد امتداحها، باعتبارها "ليست ثورات" بل هي إما مؤامرة أو فورة، أو مجرد أحداث، وقد تناسوا مواقفهم الحاسمة… عندما وصل "الموس الى ذقونهم". فانطلاق الثورة السورية كان بداية تراجع كثيرين من حلفاء النظام (وكذلك ضمناً مع اليمن والقذافي) السوري من تأييدها، بمن فيهم "فيالقهم" و"كتائبهم" من المثقفين والشعراء والسياسيين. بدأ التشكيك بكل انتفاضة عربية عند "أصحابنا" من أهل الوصايتين والنظام الأمني المشترك ابتداء من آذار الماضي، بداية الملحمة في درعا، فقبل هذا التاريخ كان عندنا ثورتان عظيمتان في مصر وتونس (بالنسبة الى هؤلاء)، وبعد هذا التاريخ انتصرت نظرية "المؤامرة" لضرب "المقاومة" (أي مقاومة)، و"الممانعة" (أين؟) وتقسيم الأمة العربية، وإثارة الفتن الطائفية، وتسليم المنطقة الى القوى الاستعمارية وفي طليعتها فرنسا وبريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة (والممانعون الإيمانيون عندنا و"العلمانيون" عندهم، سواء بسواء، سبحان الحي الباقي، استثنوا إسرائيل من المؤامرة! رائع!)، ونهب الخيرات العربية، والبترول العربي، وضرب موقع "الأمة" الإسلامية والعربية في العالم! فما هذه الغيرة الإيرانية على الأمة العربية، فهل صار خامنئي قومياً عربياً! وما هذه الغيرة الإيمانية على مصالح العرب، والعروبة؟ الله!

المهم أن هؤلاء انتقلوا من "التكبير" والتهليل… للثورة العربية عندما اندلعت عند خصومهم "السياسيين" في مصر وتونس (وكلنا يذكر الإعلام السوري تحديداً وحناجره وبناجره)، الى نفيها، واعتبارها تؤدي الى عودة السلفية، والأصولية (وكأن حزب الله وولاية الفقيه ليسا أصوليين!)، وإلى انبعاث بن لادن من قبره، بل ولجأ هؤلاء بتحاليلهم العميقة الى إثارة مخاوف الأقليات من طغيان الأكثرية (السنية) في العالم العربي، وتهديد وجودها ومصيرها، استدراراً لمخاوف الغرب، وتحييداً أو تأييداً لهذه الأقليات. وكأن هذه الأخيرة كانت قبل مجيء هذه الأنظمة على امتداد مئات السنين مضطهدة ثم استرجعت حقوقها ومجدها على أيامهم المجيدة. ونقول أكثر: إن هذه الأنظمة والأحزاب الشمولية وبعقلها التبسيطي والإلغائي والاختزالي جعلت من كل الأكثرية الإسلامية في العالم العربي وأبعد منه سلفية وأصولية وإرهابية، وجعلت هي من نفسها واحة التعددية والتسامح والحرية والسلم الأهلي، ومنارة المستقبل الآمن والمزدهر!

وأخيراً وليس آخراً، نظمت أبواق أنظمة الطغاة حملة ضد الجامعة العربية ومبادرتها، ولم توفر لا السعودية ولا الكويت ولا قطر، باعتبار أن ما تقوم به إملاء من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وعودة للاستعمار الى العالم العربي واتهمتها بأنها تريد إسقاط النظام السوري، وتخريب الوحدة الوطنية، وتقسيم البلاد، وضرب "الممانعة" في عاصمة الممانعة، وضرب المقاومة في كانتون المقاومة (أي عندنا ما شاء الله في لبنان). أكثر: جعلت من مبادرات الجامعة العربية انحياز "الأكثرية" الإسلامية (الأصولية) ضد الأقليات. وكحلنا عيوننا وشنفنا آذاننا بمرأى "قناديل" هؤلاء، و"غلمانهم" على الشاشات وهم "يحلّلون" (خبراء استراتيجيون من غير شر أو كتّاب أو معلّقون) هذه "البادرة" العربية وخطورتها على الأمة العربية، وخيراتها، وسلاحها الماضي ضد العدو الإسرائيلي، مشيدين، وأي إشادة، بمقاومة النظام السوري للحلول الاستسلامية أمام العدو وأمام أميركا! ولم يخبرنا هؤلاء "المخبرون" الصغار والكبار (وهل من مخبر كبير!) أين هي مواقع الممانعة أفي الجولان أم سابقاً في لواء الإسكندرون، أم نيابة عنهم أهل النظام الأمني المشترك، أم في الجنوب؟

وكما كنّا نتوقع، فما إن قبلت سوريا ببنود الجامعة العربية "بلا تحفظ" حتى انبرت الأبواق المجلجلة في صحافة الممانعة (الشريفة والوطنية)، وفي وسائل إعلامها "المنيرة" والمستنيرة بتعليمات الأجهزة الأمنية لترحب بالمبادرة التي اتهمتها بأبشع التهم، باعتبارها حلاً عربياً يسقط المؤامرة المحبوكة من كل العالم على النظام السوري. وباتت هذه المبادرة بين لحظة ولحظة "صمام" أمان للتضامن العربي، وتعبيراً عن "الانتصار" في وجه الأعداء. فالأعداء صاروا حُلفاء بالنسبة لأبواق الوصايتين. كما صار "الحلفاء" أعداء بالأمس: وهل ننسى الاستقبالات الأسطورية لأمير قطر من قِبَل جماعة الوصايتين، و"قَطَر القطرُ" و"القاطر" والغيث والمقطور، والمستقطر، وهل ننسى صور أمير قطر مرفوعة في ضواحي الكانتونات حيث سمي "أمير المقاومة" وهل ننسى صور "الطيب الرائع أردوغان" المشهورة بفخر في "جمهوريات" حزب الله الأمنية؟ وكما هو معروف، وما إن تحوّلت المواقع التركية بعد "الربيع العربي" حتى ذكّرنا هؤلاء المدّاحون بالاستعمار العثماني، وكذلك بأطماع أردوغان في المنطقة، وبأنه جزء من الحلف الأطلسي… من دون أن ينسوا أمير قطر فنعتوه بأقذع المواصفات، من عميل لأميركا الى عميل لإسرائيل… ووصفوا "الجزيرة" بأنها "جزيرة" التآمر وبأنها تلفق صور القمع والقتل والإبادة التي ارتكبها النظام السوري في استديوهاتها في الدوحة (ما زالوا يظنون أن الجماهير العربية في مرحلة الطفولة الأولى، وفي مراحل الغباء المتقدمة أمام عبقرياتهم!). وعلينا، نحن، أن نصدقهم عندما امتدحوا هؤلاء، ونشاركهم اتهاماتهم، واليوم علينا أن نشاركهم في مديح المبادرة العربية.

ونظن أنه إذا فشلت هذه المبادرة (ونتوقع لها ذلك نحن الذين خبرنا الاتفاقات والمواثيق التي وافق عليها النظام السوري ونقضها في لبنان سواء اتفاق الطائف أو اتفاق الدوحة)، بمساعدة حزب ولاية الفقيه في ضواحيه الأمنية، فستعود "حليمة لعاداتها القديمة"، وستُدار من جديد معزوفات الشتيمة للجامعة العربية لأنها أفشلت المبادرة "لإخضاع الممانعة للمصالح الغربية الاستعمارية"، وهكذا دواليك، وهذا ما تعوّدنا على امتداد خمسة عقود من هؤلاء، ومن الطغاة العرب وغير العرب الذين تعاقبوا بأمراضهم، وجنونهم، وإجرامهم، وأطماعهم على لبنان، من صدام حسين الى القذافي وحافظ الأسد… وصولاً الى شارون والشارونيين من أنظمة "الصمود والتصدي" و"دول الطوق"!

على هذا الأساس علينا ألاّ نصدّق هؤلاء، ولا نتوقع منهم التزامهم أي بنود، أو أي اتفاقات أو عهود (تذكروا معنا الوعود التي أطلقها حزب الله (وبتوع الوصايتين) الى طاولة الحوار: أيدوا المحكمة بالإجماع ثم تراجعوا، وخوّنوا وهدّدوا من يؤيدها، باعتبارها إسرائيلية أميركية، وأيّدوا بالإجماع نزع السلاح غير الشرعي خارج المخيمات ثم فعلوا العكس: ها هو بعونه تعالى حزب إيران يحاول زرع لبنان كله بالمربعات الأمنية وبوصلاته وأنابيبه للتجسس على اللبنانيين، وأيّدوا اتفاق الدوحة بعدم إسقاط حكومة الحريري التي شاركوا فيها، ثم أسقطوها بقوة السلاح والتهديد بالقتل فكانت حكومة القمصان السود الإنقلابية التي تحوّلت بدورها "مربعاً أمنياً" بوزرائها وعباقرتها. (الطفل المعجزة حسن فضل الله صرّح أن قريطم مربع أمني! برافو! من أين جئت بهذه العبقرية "الأمنية" التربيعية يا ربيب المربعات الأمنية الفكرية والإيمانية والدينية والمذهبية: أنت من أطفال أنابيب المربعات الأمنية… الفقيهية والمستفقهة!)، لكن قريطم ليست بؤرة للتهريب والخارجين على القانون والنصابين وسرّاقي ممتلكات الغير وحماة المتهمين بالقتل، ولا المدافعين عن عملاء إسرائيل.

حالياً، أخبار "سارة": موافقة النظام السوري على "بنود" الجامعة العربية. هذا خبر رائع لأننا نتمنى جميعاً الخير والحرية والديموقراطية والسلام للشعب السوري العظيم. هناك من قال إنه اختبار للنظام. وقال آخرون إنه محاولة "إنقاذ" للرئيس بشار الأسد. وقال آخرون (ومنهم حلفاء للبعث)، إنه فخ منصوب للسلطة. وآخرون من المعارضة والثوار إنه تعويم لنظام سقط ثلاثة أرباعه. بل وأشار بعضهم الى أن هناك محاولة حصار عربية "رسمية" للثورة السورية الكبرى. وبعضهم أضاف أن الحوار العتيد (إذا تم) محاولة النظام لكسب الوقت وتجديد عدة القتل. وهناك من يستعيد آراء ومواقف سابقة أن هذا النظام قابل للكسر وليس للإصلاح، ولا أمل في أي حوار بمثل هذه الخطوات المستحيلة.

هذه أخبار سارة في ظاهرها، لكن "أجمل" من أن تصدق. لكن المهم في كل ذلك هو الشعب السوري، ومطالبه، وهواجسه (وليس النظام). ولأن الشعب أدرى منّا "بشعابه"، فالكلمة الأولى والأخيرة له. هو الذي يؤيّد وهو الذي يرفض. وليس النظام أو أي مرجعية أخرى. فهو المرجعية اليوم، بعد خمسة عقود من مصادرة إرادته، وقمعه ونهبه وتحويل البلاد سجناً كبيراً. هو الذي كان "يتلقى" العصي، ومن يتلقّ العصي ليس كمن يعدّها! فهو الذي قدّم 4000 شهيد (حتى الآن) و20 ألف جريح و30 ألف سجين وعشرات ألوف المهجرين؛ وهو الذي دمّرت منازله وممتلكاته وأحرقت محاصيله… وهو الذي يطالب بالحرية وليس النظام، وهو الذي يطالب بتعددية وبتداول السلطة، وهو الذي يطالب بالديموقراطية وليس النظام. وهو الذي يطالب بالعدالة، والمساواة، والكرامة، واللقمة الشريفة، والدولة النزيهة… وليس النظام. إنها المطالب التي يريد انتزاعها من النظام الذي انتزعها منه.
فإذا تحققت هذه الأمور. فرائع! وإذا اتّسع لها النظام عبر تغييره، فهذا رائع! وإذا توصّل "المتحاورون" الى ذلك، فرائع! رائع، لكن هذا يعني أن النظام قد سقط في تحقيقه هذه البنود!
فهل يقبل النظام إعلان سقوطه "من الأبد الى الأبد"!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل