حين يسمع اللبنانيّون الكلام على اتّجاه رئيس الجمهورية إلى دعوة القيادات السياسيّة مجدّداً إلى طاولة الحوار، يتبادر إلى أذهانهم ضرورة إضافة الحوار إلى أهزوجة التبّولة والكبّة النيّة التي نحضّ، بذكرها، المغتربين والسيّاح على زيارة لبنان. فعمره، كمبادرة، بادت ثمّ عادت، يكاد يشجّع على إقامة ذكرى ميلاد وأعياد فصح.
ولعلّ السؤال الذي يجب أن تطرحه قيادات 14 آذار، ردّاً على التشاور معها في هذه الدعوة، ليس عن جدول أعمال الطاولة التي ستُنصب مجدّداً، بل عن الشروط والخطوات التي يجب تجنّبها كي لا يعمد «الحزب القائد» إلى نسفها. لسبب عملانيّ هو أنّه لايمكن أن يلتزم بأيّ وعد بدليل أنّ أمينه العام كان وعدنا في العام 2006 بصيف هادئ ثمّ نكث بتعهّده، أو أجبرته الاستراتيجية الإقليميّة المرتبط بها على ذلك، من دون نسيان وعوده الأخرى كإقناع النظام السوريّ بتحديد الحدود، وليس ترسيمها، حِرصا منه على مشاعر هذا النظام وحساسيّة أهله القوميّة المرهفة، إضافة إلى إقناع معسكرات حلفائه بجمع سلاحهم.
لكنّ الأبرز يبقى الالتزام بتأييد المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان، الذي لم يُمارِ الحزب تحلّله المفضوح منه، وعلى رؤوس الأشهاد، بما لا يوازيه، فجاجةً، سوى إسقاطه الالتزام بعدم استخدام السلاح في الداخل يوم العار في 7 أيّار 2008.
كلّ ذلك كان اعتداءً، بالمفرّق، على ما أُقرّ على طاولة الحوار في جولات متقطّعة. وبما أنّ من شبّ على شيء شاب عليه، فإنّ الحزب اليوم يستطيع أن «يفاخر» بأنّ سيرته، منذ دخل الحياة السياسيّة اللبنانية بوجوهه العلنيّة، تزدحم بنتائج فهمه للسياسة على أنّها ضرب من ضروب التحايل على الآخر، و»أخذه على نيّاته» ومبادلة صدق الالتزام بالمكر المبيّت. فالغاية تبرّر الوسيلة، وهي أبعد من لبنان والمحيط العربي، وليست بالتأكيد قيام دولة يتوازن فيها اللبنانيّون في الواجبات والحقوق، ويعلو فيها القانون ومؤسّساتها، وفي طليعتها الجيش، على كلّ أمر.
مؤشّر إلى هذا المنطق، عربيّا، ما انتهى إليه الالتزام في اتّفاق الدوحة وبعده مبادرة السين سين الشهيرة. فلا رعاية قطر، ولا « شكراً قطر» التي غطّت طرق الضاحية والجنوب امتناناً لهذه الدولة على مساهمتها في إعادة إعمار ما دمّره الاعتداء الإسرائيلي 2006، ذكّرتا «الحزب القائد» بتعهّده بعدم إسقاط حكومة الوحدة الوطنيّة التي شكّلها الرئيس سعد الحريري، ولا الثقل السياسيّ السعودي، المدعوم من كلّ العرب، لقي المراعاة اللائقة، حين جاء «التوجيه» بإفشال التسوية السياسيّة المتوازنة.
لم يَفِ الحزب مرّة بالتزاماته، إلّا في عمليّات تبادل الأسرى مع العدوّ الإسرائيلي، لذا لايجب أن يكون السؤال علامَ سيتحاور القادة السياسيّون، بل ما الذي يجعل هذا الحزب يلتزم بما يتّفق عليه في خلاصة الجولات، وهل يحتاج المشاركون إلى كفالة من يستطيع أن يكفله في تعهّداته المقبلة بعدما لم يعد له رصيد ثقة، على الأقل عند الجمهور الذي إرفضّ عنه بعدما انكفأ إلى مواجهة في الداخل؟
أزمته أنّه نقل تكتيكات القتال العسكريّ إلى عمله السياسيّ، وانتقل من منطق الغدر بالعدوّ إلى الكمون للشريك في الوطن.