لا يمكن لأي شخص في طرابلس يعيش أفراحها وأحزانها، تطلعاتها وانكساراتها، أحلامها وهمومها، غناها وبؤسها، الا ويشعر بأن شيئاً ما يحدث في أروقة "البيت الصفديّ" ومؤسساته الاجتماعية والانسانية والرياضية. باعتبار أن التيار السياسي غائب عن هذه العائلة منذ بروز رمزها وعميدها رجل الأعمال محمد الصفدي على الساحة الطرابلسية مطلع الألفية الجديدة، بارادة ورغبة منه شخصياً. لمَ لا والرجل يعلم تماماً قدراته، ويعترف بأن خبرته الاقتصادية تتفوق بمراحل على فكره ونهجه السياسي الذي يحاول بمساعدة مستشاره الاعلاميّ الزميل انطوان قسطنطين تطويره وتحديثه، ومواكبة التطورات والاحداث، وايجاد المفردات السياسية المناسبة لكل مرحلة . ولعلّ ندرة اطلالات الصفدي الاعلامية ان كان عبر شاشات التلفزة أو الوسائل الاعلامية المكتوبة ما يشير الى تفضيله عدم الغوص في نقاشات عميقة مع أقرانه في الوطن حلفاء كانوا أو تحديداً خصوما لعلمه المسبق بأن المواجهة لن تكون لمصلحته.
ويشهد البعض للوزير والنائب محمد الصفدي بأنه استطاع تغطية قلّة خبرته في المجال السياسي أولاً عبر تقديم الخدمات والمساعدات الصحيّة والانسانية والمنح التربوية للعديد من أبناء مدينة الفيحاء. وثانياً، بالتحالف السياسي مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ثم مع نجله الرئيس سعد الحريري، ما انعكس في طبيعة الحال بشكل ايجابي على شعبيته التي تصاعدت تدريجياً في السنين الماضية. الا أنه بحسب أحد كوادر "تيار المستقبل" "تجربتنا معه تؤكد بأنه كان دائماً بمساعدة الماكينة الانتخابية التابعة له يجهد ليحتفظ لنفسه بحجم كاف من الأصوات تتيح له على الدوام تصدّر اللوائح الانتخابية، حتى لو كانت هذه الأصوات محسوبة على الجهة السياسية الأخرى".
مصدر مقرب من الماكينة الانتخابية للرئيس نجيب ميقاتي يقول: "تجرّعنا من الكوب نفسه في الانتخابات النيابية الماضية. فبعد أن أظهرت كل المؤشرات بأن الرئيس ميقاتي سيعتلي قمة اللائحة الانتخابية، اذ بالوزير محمد الصفدي يعقد اتفاقاً ليلياً ومن تحت الطاولة مع رفعت عيد لنيل أصوات الطائفة العلوية المحسوبة على اللائحة الأخرى وفّرت له المركز الأول تاركاً للرئيس ميقاتي الانفراد بالمركز الثاني".
اذاً هو أسلوب متّبع ونهج لا يمكنك الاعتراض عليه يقول أحد كوادر الوزير محمد الصفدي. ويتابع: "نحن أيضاً تجمعنا بمختلف الأطراف السياسية صداقات كثيرة وعلى رأسهم "التيار الوطني الحرّ" ومن المعروف لدى الجميع بأن الوزير الصفدي تجمعه صداقة خاصة مع النائب نعمة الله أبي النصر. وحين كان الصفدي وزيراً للأشغال العامة والنقل ساهم الى حد بعيد في تنفيذ مشاريع عديدة في مناطق جبيل وكسروان وجونية فاقت أحياناً المشاريع التي نفذت بعهده في مدينته طرابلس".
الا أن اختيار الوزير الصفدي التحالف مع ميقاتي لابعاد الرئيس سعد الحريري عن ترؤس الحكومة الحالية بعد الانقلاب العسكر ـ سياسي الذي قام به حزب الله وملحقاته جعل من شعبيته تتراجع بشكل ملحوظ وهو ما ظهر جليّاً بعد الزيارة المشهودة التي قام بها الرئيس الحريري الى طرابلس ومواكبة الناس لها بطريقة لا مثيل لها.
ولا يزال الوزير الصفدي لغاية اليوم يجني ذيول انقلابه السياسي على الرئيس الحريري تبرز معالمه في غياب واضح لأي نشاط أو حركة من قبل مؤسسة الصفدي ولولا وجود نادي المتحد في بطولة لبنان لكرة السلة الذي يترأسه معنوياً محمد الصفدي وادارياً أحمد الصفدي لكانت مؤسسة الصفدي اليوم في حالة من "الموت السريري" بانتظار اعطاء الصفدي نفسه الضوء الأخضر لاطلاق رصاصة الرحمة عليها.
ثمة من يقول اليوم ان الوزير الصفدي لم يعد يعير المركز النيابي أي اهتمام، حتى الوزارة بالنسبة له أصبحت تحصيل حاصل، ما يهمه بالتأكيد أن يدخل نادي رؤساء الحكومة، ولعلّ خطوته بالتحالف مع الرئيس ميقاتي كان هدفها الأول الوصول الى سدة الرئاسة أو على الأقل تساعده على ذلك في مرحلة لا بدّ وانها قادمة. الا أن الصفدي لم يحسب تماماً للتطورات السياسية وانتفاضة الشعوب العربية وتحديداً في سوريا، كما أنه يعلم تماماً بأن الرئيس ميقاتي قادر تماماً على الخروج من هذه الدوامة بأقل الخسائر الممكنة ولن يبقى وسيبقى هو "كبش فداء" هذه المرحلة السياسية.
لقد اتخذ القرار. الوزير الصفدي لن يترشح للانتخابات النيابية المقبلة عام 2013 يقول أحد أصدقاء الصفدي والمقربين منه والذي يعيش خارج لبنان. ناقش الصفدي هذا الموضوع أمامي ويبدو أنه راغب جدياً هذه المرة بعدم الترشح للاستحقاق الانتخابي القادم. حصل على النيابة والوزارة مرات عديدة وهو يعلم أن النجاح في الاستحقاق المقبل سيتطلب منه تكاليف عالية خصوصاً اذا ما كانت المواجهة مع سعد الحريري".
تصل هذه المعلومات والمعطيات الى الموظفين في مؤسسات الوزير الصفدي: "لا يعلقون، لكنك ترى على وجوههم خيبة الأمل، نعم يبدو أن الصفدي لن يترشح للانتخابات القادمة".
الا أن مصادر مطلعة على أجواء الوزير الصفدي والمحيطين به تؤكد لـ "المستقبل" أن "الأمور توحي بأن الوزير الصفدي بالفعل لن يخوض غمار الاستحقاق الانتخابي المقبل ، لكن ابن شقيقه رئيس" نادي المتحد" أحمد الصفدي سيكون "الوريث الشرعي" لهذا المنصب وهو يعمل على هذا الأمر منذ سنين وبات يملك الأرضية الشعبية المناسبة لخوض هذا المعترك الانتخابي وحين عرض الموضوع على "عمّه" كان الجواب ايجابياً".
نقابيّ شماليّ سابق يؤكد بأن" العبرة ليست في الأشخاص فسمعة أحمد الصفدي طيبة في الوسط الطرابلسي. كان اليد اليمنى لا بل اليسرى أيضاً للوزير الصفدي في كل الأمور التنظيمية والشعبية في المدينة. لكن العبرة في الخط السياسي الذي سوف يتبعه في المرحلة القادمة وأهواء المدينة وأهلها السياسية وهو الأمر الذي يعلمه الصفدي "الشاب" ولذا سوف يحاول في القريب العاجل اعادة التفكير بالتموضع مجدداً مع الخيار الصائب بالنسبة له ولمدينته".