في لقاء جمع عددا من الدبلوماسيين العرب والأجانب مِمّن يواكبون الحدث السوري منذ انطلاقة الثورة السورية، يجمع الدبلوماسيون على أمر واحد ومهم، خصوصا عندما يتوسّعون في الحديث عن حجم المعاناة التي يعيشها نظراؤهم في دمشق، لجهة جَمع المعلومات التي تعنيهم لتكوين صورة واقعية عن الأحداث في سوريا، ومردّ ذلك الى فقدان التواصل بين المحافظات السورية بشكل لم يكن متوقعا بهذا الحجم وبالسرعة التي تطورت فيها الأمور، بعدما عَزّزت السلطات السورية العسكرية والدبلوماسية الحصار على تحركات الدبلوماسيين على أراضيها، في أعقاب التجربة الأميركية والفرنسية وما رافق حركتهما ما بين حماة ودرعا ودمشق وغيرها من المناطق.
تمنيات واحلام
وعليه، كان الدبلوماسيون العرب والغربيون يأملون في أن تتحقق امانيهم، فيسمح للإعلام الأجنبي العربي والدولي بالتحرّك في مختلف المناطق السورية لنَقل صورة واضحة عن الأحداث. لكن ما ثبت من عوائق يحول دون تحقيق هذه التمنيات. فتحوّلت بسرعة قياسية الى ما يشبه الأحلام المستحيلة بعد مرور ايام ثلاثة على موعد صدور «وثيقة التفاهم – خريطة الطريق الى الحل» التي أعلن عنها من القاهرة مساء الأربعاء الماضي بعد الاجتماع المشترك لأعضاء اللجنة العربية ومُمثلي القيادة السورية.
وعليه، تتوسّع المنتديات الدبلوماسية في تحليل المعلومات المتوافرة عن الأحداث في سوريا، معطوفة على قراءة المواقف الدولية منها، باعتبارها باتَت من الأسلحة المرجّحة لمراحل الحسم الذي آلت اليها الثورات العربية، سواء استخدمت فيها الأسلحة الحربية مباشرة كما حصل في ليبيا، او الدبلوماسية القاسية التي استخدمت في تونس ومصر.
ويعترف الدبلوماسيون ان التجربة التركية مع القيادة السورية سبقت التجارب الأخرى، ولذلك تحوّلت أنقرة، لفترة من الفترات، قبلة الموفدين ومقصدا للسياسيين والدبلوماسيين اللبنانيين والأجانب المهتمين بالملف السوري، قبل ان تستقرّ على المبادرة العربية.
ما بين «العدالة» و«البعث»
وباعتقاد بعض الدبلوماسيين أنّ العودة الى التجربة التركية يمكن ان تقود الى محطات الغد من خريطة الطريق العربية الجديدة، باعتبار ان المبادرة التي قاَدتها تركيا بدبلوماسيتها وقيادتها العسكرية معا، شَكّلت الرسم البياني المتوقع لتطوّر المبادرة العربية.
ومن هنا، تتبادل المراجع الدبلوماسية المعنية الكثير من محطات التجربة التركية، والتي بلغت بمعظم مراحل تطوّرها المسؤولين اللبنانيين وغير اللبنانيين. وفي التجربة التركية ما يوحي بأنّ ما هو مطروح اليوم سقط من ذهن القيادة السورية وحساباتها منذ زمن. فتركيا هي من الدول القليلة التي بَنت علاقاتها مع جارتها السورية على أساس المصالح الإستراتيجية المشتركة على غير صعيد، وبالتحديد ما بين حزب العدالة والتنمية التركي الذي كان يستعد لتكريس سيطرته الأحادية على الحكم في تركيا والبعث السوري المتحكم بمقدرات البلاد منذ 41 عاما من دون انقطاع. فبَنى الحزبان حلفا استراتيجيا اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وتجاريا، فأعلنا عن قيام المجلس الأعلى التركي – السوري، وباشرا ببناء سَد الصداقة على مجرى نهر الفرات على انه للتأريخ في العلاقات المميزة بين البلدين، كما قال اردوغان في حفل وضع الحجر الأساس له على الجانب السوري من النهر. وألغوا كلّ إجراءات الحدود بين البلدين وسِمات الدخول، ومعها الرسوم الجمركية عند تبادل المنتوجات على انواعها.
إنجازات في «ساعَة تَخَل»!
ولذلك، اعتقد اردوغان انه سيضع من موقعه الجديد والمميز، حَدّا للوضع المأساوي في سوريا منذ اللحظة التي انطلقت فيها مظاهر العصيان والثورة. لكنه فشل، وتبخّرَت مختلف الإنجازات التي بناها الطرفان، وتحَوّلت وكأنها من الأخطاء التاريخية التي ارتكبت بين البلدين والحزبين والحكومتين في «لحظة تَخَل» يجب أن يَمحيانها من تاريخهما الحديث.
وعليه، فإنّ ما هو متوقع، هو أن تَصِل المبادرة العربية الى ما وصلت اليه المبادرات السابقة. ومن هنا، يقرأ الدبلوماسيون التهديد التركي والأوروبي والأميركي بالعودة الى منطق العقوبات المشددة على سوريا لإنقاذ الوضع وحسمه بأقلّ الخسائر الممكنة، لكنهم يدركون أنّ دون هذه الأهداف عوائق وعراقيل مختلفة، مع فارق بسيط عمّا سبقها من التجارب مع أنظمة عربية أخرى، وهي أنها عقبات سورية داخلية لا تمَت بصِلة الى ما يدّعيه البعض أنها مُتأتية من دعم روسي او صيني في مجلس الأمن الدولي. فالعودة الى مواقف الدولتين من كل ما سبق الثورة السورية من تجارب مصرية وتونسية وليبية، توحي بأنها لن تكون عائقا أمام الحلول النهائية متى حان أوانها.