#dfp #adsense

“النهار”: اطلالة أولية على مناخ مناقشة مشروع الانتخاب… إنجاز مُبكر لا يُسقط مرحلة المحاذير

حجم الخط

كتبت "النهار": قبل أسابيع عدة من ادراج مشروع قانون الانتخاباب النيابية الجديد على جدول اعمال مجلس الوزراء ايذاناً باطلاق مسار مناقشته واقراره واحالته على مجلس النواب، سادت شكوك واسعة لدى معظم الاوساط السياسية في جدية طرح هذا المشروع على النقاش التقريري في هذا التوقيت تحديداً. وتمحورت هذه الشكوك خصوصاً حول الظروف الداخلية المعقدة التي تجتازها البلاد وزحمة الاولويات السياسية والامنية والاقتصادية الاخرى التي تكتسب طابعاً ملحاً لا يحتمل تأجيلاً او تسويفاً والتي تفرض التفرغ الحكومي والرسمي والسياسي لمعالجتها، في حين ان المشروع الانتخابي على أهميته الكبيرة وضرورة تجاوز النمط المعتاد في طرحه قبل وقت قليل من مواعيد الدورات الانتخابية لا يزال يحتمل الانتظار نظراً الى اتساع المساحة الزمنية الفاصلة عن موعد الانتخابات المقبلة في سنة 2013.

يضاف الى هذا العامل الداخلي، عامل خارجي لا يقل تاثيراً في برمجة الاولويات اللبنانية ويتصل بالوضع الاقليمي المتفجر خصوصاً في ظل حالة الترقب والتوجس التي تمليها الازمة السورية والتي من شأنها ان تترك انعكاسات جذرية وضخمة على الوضع اللبناني اياً يكن المسار الذي ستتخذه في المدى القريب على ما باتت توحي المعطيات والوقائع المتصلة بهذه الازمة.

ومع ذلك تجاوزت الحكومة هذه الحالة المشككة وادرجت المشروع في جدول اعمال الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء في مطلع الاسبوع الحالي عبر قراءة أولية على ان يبدأ عقد جلسات كثيفة متعاقبة بعد عطلة عيد الاضحى للخوض في المناقشات التفصيلية وصولاً الى اقراره بصيغته النهائية. وتحدو الحكومة آمال في ان تخرج هذا "الانجاز" الى النور خلال كانون الأول، علما ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان يبدو شديد الحماسة لاستعجال هذا الانجاز قبل نهاية السنة.

والواقع ان الحكومة تبدو على مشارف الخوض في هذا الاستحقاق امام معادلة متوازنة في وجهين ايجابي وسلبي. فمن الجانب الايجابي أولاً، يصعب انكار أهمية التزام الحكومة في بيانها الوزاري انجاز قانون جديد للانتخاب في وقت مبكر لئلا تتكرر التجارب السابقة التي غالباً ما كان عامل الوقت الضاغط يلعب دوراً سلبياً في تحويل قوانين الانتخاب المتعاقبة مجرد صفقات مكشوفة بين القوى السياسية على اختلافها وفرضها امراً واقعاً على الناخبين لامكان فيها سوى للنفعيات السياسية وتفصيل تلك القوانين على مقاسات القوى الكبرى التي تتقاسم التمثيل، ولو من منطلقات متخاصمة في السياسة، الى حد الوصول بهذا المنحى استعادة قانون 1960. وبطرحها المشروع الانتخابي الآن قبل أكثر من سنة ونصف من موعد الانتخابات المقبلة، قد تكون الحكومة على مشارف تحقيق نقلة نوعية فعلية في كسر المنحى السابق المتوارث.

اما الجانب الآخر الذي ترتسم معه مجموعة محاذير وسلبيات فتتمثل في عوامل عدة بعضها يتصل بمضمون المشروع ولا سيما منه طرح النظام النسبي وبعضها الآخر يتصل بالظروف العامة التي يطرح فيها المشروع على النقاش. فعلى صعيد الطرح النسبي ستواجه الحكومة صعوبات وتعقيدات من داخلها اسوة بتعقيدات مماثلة من الخارج السياسي الاوسع. وقد بدا لافتاً في هذا السياق ان المشروع الذي انجزه وزير الداخلية والبلديات مروان شربل قبل اكثر من شهر قوبل بفتور واسع ولم يلق ردود الفعل الملائمة حتى الآن مع ان حقبات سابقة شهدت تهليلاً للنسبية من قوى مختلفة وكادت المناداة بها تتحول نشيداً اصلاحياً يصعب على اي قوة مناهضة الوقوف ضده.

ويعزى هذا الفتور الطارىء والمواكب لطرح المشروع على مجلس الوزراء الى بداية وضع النيات السياسية الحقيقية حول قانون الانتخاب موضع الاختبار مما يعني ان ثمة فارقاً كبيراً بين اعلان النيات المبدئية في لحظة تعبير دعائية سياسية واختبار هذه النيات في اللحظة التقريرية الحاسمة. ولا يبدو ايضاً ان هناك مناخاً ملائماً بعد في لبنان للاقبال على تجربة انتخابية جديدة تعتمد فيها النسبية، نظراً الى شكوك كبيرة في ملاءمة النظام النسبي لتركيبته من جهة ومحدودية الثقة بقدرة أجهزة الدولة على تلبية متطلبات هذه التجربة.

اما من الناحية السياسية فان احداً لا يتوهم في صعوبة تشكيل حالة توافقية عامة على النسبية حتى لو بدا ظاهر المواقف المعلنة منها مستقطباً لقبول واسع لدى قوى من الموالاة والمعارضة في مقابل قلة لا تزال تجهر بصراحة بمعارضتها لهذا النظام النسبي. ومع ان لقاءات القادة المسيحيين في بكركي لامست هذا الخيار بمناخ أيجابي أولي، فان مجموعة تطورات حصلت لاحقاً واظهرت ان ثمة فروقاً واسعة لا تزال تتحكم بمواقف القوى المسيحية نفسها من خيار النسبية. كما ان الجلسة الاولية لمجلس الوزراء في هذا الصدد اظهرت بدورها وجود قوى نافذة ككتلة النائب وليد جنبلاط تتحفظ عن هذا الخيار، في حين ان ثمة دلائل قوية الى ان معظم القوى السنية ايضا لا تستسيغ النسبية ولو ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قد يجاري مشروع وزيره في هذا الخيار.

وفي ضوء هذه اللوحة الاولية للعوامل المتحكمة بملف قانون الانتخاب، يبدو من الصعوبة التكهن سلفاً بمآل الرحلة الحكومية لاقرار المشروع اذ سيتعين على مجلس الوزراء مواجهة رزمة الايجابيات والسلبيات والمحاذير بمعادلة متوازنة ومتروية لئلا يرتب سلق المشروع واقراره بمجرد توافر اكثرية وزارية له مضاعفات لاحقة لا بد من ان تتفجر في مجلس النواب وعلى المستوى السياسي العام.

المصدر:
النهار

خبر عاجل