كتب سمير تويني في صحيفة "النهار": يتداول الوسط السياسي اللبناني مشروع قانون انتخاب جديداً طرحته الحكومة اللبنانية على النقاش. فهل بدأ الخوض إيجاباً في هذا الاستحقاق، أم انه مجرد صفقة مكشوفة بين القوى السياسية على غرار إحالة قوانين الانتخابات السابقة على النقاش؟ وهل يجري تفصيله على مقاسات القوى السياسية الكبرى التي تتقاسم التمثيل، علماً ان قانون الانتخاب مرتبط بالسياسة التي ترغب في اعتمادها الاكثرية النيابية والحكومة المنبثقة منها، مما جعله يتقلب ويتبدل مع العهود والظروف؟
ويعتبر علماء السياسة والدستور ان قانون الانتخاب يفوق الدستور أهمية، لأنه يرسم الوجه السياسي للدولة. ويقول وزير العدل السابق شارل رزق "ان بريطانيا لا تعتمد دستوراً مكتوباً، بل تتمسك بنظامها الانتخابي الذي وضع في القرن التاسع عشر لأنه أمّن لها الثنائية الحزبية وضمن تداول السلطة واستقرار النظام" بين أكثرية تحكم وأقلية تعارض، والأمثلة كثيرة في العالم الغربي كالجمهورية الخامسة مثلا التي صاغها الجنرال شارل ديغول بعدما فشلت الجمهورية الرابعة في تأمين الاستقرار داخل فرنسا.
إذاً، "ثمة علاقة وثيقة بين النظام السياسي والنظام الانتخابي، وبالتالي من البديهي ان يسبق اي حديث عن تعديل قانون الانتخاب تشخيص للعلل التي يشكوها النظام السياسي الحالي ليتمكن أي تعديل من معالجتها من طريق تعديل مناسب لقانون الانتخاب" بحسب رزق.
وفي هذا السياق يقول: "قبل الدخول في تعديل قانون الانتخاب ينبغي الإجابة أولاً عن سؤال أساسي: هل الشعب اللبناني موافق على نظامه الانتخابي وراض عن الانقسام داخل المجتمع اللبناني والذي تحول انقساماً مذهبياً بدلا من سياسي، وما يترتب عليه من تبعية اقليمية ودولية؟ ومن كان راضياً حجب عن نفسه امكان تقديم اقتراح ذي قيمة لتعديل قانون الانتخاب".
وهذا السؤال يجب ان يطرح قبل البحث في كل المشاريع المتداولة في الآونة الأخيرة، بما في ذلك المشروع الذي قدمته الحكومة اللبنانية أخيراً. فالقانون بحسب وزير العدل السابق "لا ينطلق من وعي واضعيه بالعلة التي اصابت نظامنا السياسي وبامكان معالجتها بالاصلاح الانتخابي المناسب".
هذه المشاريع جاءت بشكل غير مكتمل بمعظمها لأنها لا تعالج المعضلة الأساسية، بل لتضيع الوقت بقانون لا يوافق عليه الاطراف قبل نشره لأنهم يرفضون اي تعديل، فيما السفينة التي اسمها لبنان تغرق بمن على متنها وسائقو "البوسطات" الانتخابية يصرون على المحافظة على مكتسباتهم الانتخابية.
ويوضح رزق أن "لا قيمة لأي اقتراح قانون انتخاب اذا لم يكن هدفه تجاوز الثنائية المذهبية الحالية التي أدت الى انقسام المجتمع اللبناني الى شعبين: شعب تسيطر عليه الطائفة الشيعية يلتحق به بعض المسيحيين، وشعب تسيطر عليه الطائفة السنية تحالفت معها احزاب مسيحية تحاول المحافظة على خصوصيتها".
وحدها "جبهة النضال الوطني" برئاسة النائب وليد جنبلاط خرجت عن الثنائية المذهبية و "نأت بنفسها عن التبعية والتحالف، وانتهجت سياسة انتقائية سمحت لها باتخاذ قراراتها وفق تطورات الظروف السياسية والاقليمية وضرورة المصلحة، وهذا الموقف ضمن لها وزنا سياسيا كبيرا"، كما قال.
وانطلاقاً من هذا التشخيص للوضع السياسي اللبناني، يرى أنه "يمكن تحديد الهدف الذي يجب ان يسعى اليه اي اصلاح انتخابي، وهو التوافق بين ضرورتين: احترام التعددية الطائفية الموروثة من جهة، وتجاوز الثنائية المذهبية الراهنة من جهة أخرى، من خلال بناء ثنائية سياسية قائمة على كتلتين سياسيتين تضم كل واحدة منهما ممثلين لجميع الطوائف ولا تغلب فيها طائفة واحدة، كما هو الوضع حاليا، فيدور الصراع السياسي بشكل ديموقراطي بين كتلة تضم لبنانيين من طوائف مختلفة من جهة، تقابلها كتلة اخرى تعكس التنوع الطائفي نفسه من جهة ثانية. وهذه الثنائية تعيد احياء تقاليدنا السياسية عراقة واصالة".
ومن هذا المنطلق السياسي الديموقراطي، واذا اتفق على الهدف من خلال قانون انتخاب جديد، يمكن اقتراح الوسائل العملية التي تؤدي الى بلوغه، وهي بديهية:
ويعتبر وزير العدل السابق ان على اي قانون جديد ان يعتمد:
– أولاً اللائحة المغلقة: فصهر المرشحين من ضمن بوتقة سياسية واحدة، يفرض منع التشطيب الذي يشرذمهم بدل ان يوحدهم في اطار التزام انتخابي جامع، ناهيك بالاعتبارات الاخلاقية كمنع الغش بين المرشحين والرشوة.
– ثانيا الدائرة الانتخابية: بقدر ما تكبر الدائرة الانتخابية يتوسع التنوع الطائفي داخل اللوائح الانتخابية، لذلك اقترح الطائف اعتماد المحافظة دائرة انتخابية. وذهب البعض الى المطالبة باعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة. غير ان هذين الاقتراحين يصطدمان بعقبة ابعاد الناخب عن المرشح، واستحالة تشكيل لوائح تحمل عدداً غير معقول من اسماء المرشحين. مثلا 128 مرشحاً في حال اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة.
في هذا السياق يقترح رزق حلاً وسطياً وهو "ادغام بعض الاقضية"، بحيث يستقر عدد الدوائر الانتخابية على 15 دائرة.
– ثالثا 15 دائرة: على رغم حصر الدوائر بـ 15 دائرة، يبقى ان معظمها يغلب فيه لون طائفي معين نظرا الى طبيعة التوزيع السكاني. لذلك، اقترح حلا يجمع بين فوائد الدائرة الكبرى ويتجنب الوقوع في محاذيرها وهو انضمام كل لائحة في الدائرة الى كتلة سياسية تقدم لوائح في جميع الدوائر الانتخابية، وبالتالي مرشحين من جميع المناطق والطوائف. مما يعطي الانتخابات طابعا وطنياً شاملاً، مع المحافظة على خصوصية كل دائرة واحترام الانتماءات الطائفية التقليدية، وتدور بالتالي المعركة الانتخابية بين كتلتين او ثلاث على الصعيد اللبناني الشامل.
– رابعا النسبية: ويفرض ما سبق اعتماد قانون النسبية للافساح في المجال لتمثيل اكثر من رأي سياسي واحد داخل كل دائرة، وتجنيب البلاد طغيان كتلة على سائر الكتل والوقوع في أحادية التمثيل السياسي.
ويشير رزق الى أنه "جرى إعداد ما سبق، بالتنسيق مع فريق من علماء السياسة في لبنان والخارج ولم اقدمه الى الجهات السياسية لإدراكي عجزها منذ ثمانينات القرن الماضي عن وضعه موضع التنفيذ، وما تسمى القيادات السياسية الحالية اكثر عجزاً من التي سبقتها".
يضيف: "اقدم الخطوط العريضة للمشروع اليوم لوعيي ان رياح التغيير التي تعصف في العالم العربي، سوف تصل الى لبنان عاجلاً ام اجلاً، وأنه لا بد من ان تنهض نخبة لبنانية تملأ الفراغ الذي جعل لبنان ساحة مشرعة استباحها اهل التبعية والخنوع".