إذا كان من معنى عميق لعيد الاضحى العالم العربي هذه السنة، فهو في هذا التسابق الذي يتجاوز الوصف لشعوبه الواحد تلو الآخر من اجل اسقاط الطغيان ورفع راية الحرية. وهذا ما يثابر الشعب السوري عليه يومياً بشكل يثير الاعجاب الشديد ليتحوّل ملحمة نادرة المثال في التاريخ الحديث لهذه المنطقة.
لقد كان من حسن طالع النبي ابرهيم ان الله تدخّل في الوقت المناسب لانقاذ ابنه اسماعيل، كما يؤمن المسلمون او اسحق كما تقول التوراة. فقد اكتفى الله بصدق ايمان ابرهيم في امتحان الاستعداد للتضحية بولده، فأمره بأن "لا تمد يدك الى الغلام" كما جاء في التوراة "(…) وفديناه بذبح عظيم" مثلما ورد في القرآن.
في المقابل، كان على الشعوب العربية التي فازت في سباق الربيع او التي تنشد الفوز به، كما في سوريا، ان تنفذ التضحية كاملة. فالديكتاتور مؤمن أشد الايمان بسلطته التي تحضّه على التضحية بآخر فرد من شعبه للحفاظ عليها.
في اول ايام هذا الاسبوع اي الاول من تشرين الثاني، مرّت ذكرى ميلاد الرئيس رفيق الحريري الذي تحوّل رمزاً عظيماً في ثورة الاستقلال التي أشعلها استشهاده في 14 شباط 2005. انه المثل الساطع للقدرة التي تنطوي عليها التضحية فحققت معجزة انهاء وصاية النظام السوري المباشرة التي استمرت عقوداً وعاثت في البلاد تسلطاً وفساداً وتغييراً لحقائقه التاريخية والسياسية.
وفي 11 تشرين الثاني، اي بعد خمسة ايام تحلّ الذكرى الـ29 للعملية الاستشهادية الرائدة التي نفّذها الجنوبي ابن الـ17 عاماً، احمد قصير، والتي دمرت مقر قيادة الاحتلال الاسرائيلي في صور بعدما كانت "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" السبّاقة في حمل راية دحر الاحتلال الاسرائيلي ابتداء من بيروت حتى تحقق الانتصار الكبير في أيار 2000 حيث خرج الاسرائيليون يجرّون اذيال الهزيمة للمرة الاولى بسواعد شعب لا نظام.
الفارق كبير وكبير جداً بين تضحيات تؤدي، كما في ربيع العرب الى اسقاط الطغاة وفتح الطريق امام قيام انظمة ديموقراطية تحفظ كرامة الانسان، وتضحيات اسست لربيع لبنان فأخرجت الاحتلال الاسرائيلي، ثم اسقطت وصاية النظام السوري، ولكن "حزب الله" واعوانه يحاولون اليوم بأوامر من سيده الايراني ان يجيّروها لطاغيتي دمشق وطهران.
لا يمكن ان يكون للربيع اللبناني معنى يختلف عن "الربيع العربي". ولم يفوّض احمد قصير الذي سبق الحزب الى النضال ان يأخذ الاخير الانتصار بالدماء اللبنانية، مهما بلغ حجم المال الايراني فيه الى حظيرة العبودية مجدداً.
لا يزال استشهاد الحريري يقود لبنان الى الربيع الكامل. ومن سوء طالع "حزب الله" انه مطلوب في قضيتين امام المحكمة الدولية الخاصة وتسليم سلاحه الى الدولة. فهل يفهم رسالة الاضحى ايماناً بلبنان قبل فوات الاوان؟