الثّلاثاء بعد أحد تقديس وتجديد البيعة
قراءَةٌ من رسالةِ القدِّيسِ إْغناطيوس الأَنطاكي (+110) إِلى كنيسةِ الأَفسسيِّين قصدُ الإِنسانِ الجديد
إِنّ روحي لذَبيحةُ الصَّليب؛ وهو شكٌّ للَّذينَ لم يؤْمنوا، أَمَّا لنا فخلاصٌ وحياةٌ أَبديَّة. فأَينَ الحكيم؟ وأَينَ المماحِكُ؟ أَينَ باطلُ الَّذينَ يُدعونَ عُلماء؟ فإِنَّ إِلٰهَنا، يسوعَ المسيحَ حُملَ بهِ في حشا مريم، على حسبِ القصدِ الإِلٰهي، من نسلِ داودَ ومنَ الرُّوحِ القدس، ولدَ وعُمِّدَ ليُطهِّرَ الماءَ بأَلمهِ.
إِنَّ رئيسَ هٰذا العالمِ قد عَميَ عن بكارةِ مريمَ وولادِها وكذٰلكَ موتِ الرَّبّ، ثلاثةُ أَسرارٍ مدوِّيةٍ أُتمَّتْ في كنفِ الصَّمت. كيفَ أُعلنتْ للدُّهور؟ إِنَّ كوكبًا تأَلَّقَ في السَّماءِ أَكثرَ من جميعِ الكواكب، لا وصفَ لنورهِ، وأَمَّا جدَّتُهُ فمذهلة، وحولَ الكوكبِ قد تجوَّقَتْ سائرُ الكواكبِ معَ الشَّمسِ والقمر، فكانَ أَسطعهُنَّ جميعًا. وكنَّ يأْخُذُهُنَّ ٱضطرابٌ ويتساءَلنَ من أَين مطلعُ تلكَ الجدَّةِ تختلفُ عنهنَّ جدًّا.
وإِذا كلُّ سحرٍ مهدوم، وكلُّ وهقِ خبثٍ محلول، لقد قُشِعَ الجهل، والمملكةُ العتيقةُ قد دمِّرت، لمَّا تبدَّى اللهُ بشرا، لجدَّةِ حياةٍ أَبديّة: وهو أَنَّ ما كانَ من قصدِ اللهِ أَخذَ يتحقَّق. وقد ٱضطرب كلُّ شيءٍ لأَنَّ الموتَ عتيدٌ أن يٌنقض.
إِن أَهَّلني يسوعُ المسيحُ لذٰلكَ فبصلواتِكم، وإِذا كانتِ المشيئةُ هي هٰذه، فإِنِّي في الرِّسالةِ الثَّانيةِ الَّتي عليَّ أَن أَكتبَ إِليكم، شارحٌ للقصدِ الَّذي بدأْتُ، مدارُهُ الإِنسانُ الجديدُ يسوعُ المسيح، وهو في الإِيمانِ بهِ والحبِّ له، وعذابهِ وقيامتهِ… لا سيَّما إِذا كشفَ لي الرَّبُّ أَنَّ كلَّ واحدٍ منكم وحدَهُ، وكلَّكُم مجتمعين، بٱلنِّعمةِ الَّتي من ٱسمهِ تأِتي، تجتمعونَ في إِيمانٍ واحد، وفي يسوعَ المسيحِ سليلِ داودَ بٱلجسد، ٱبنِ البشر وٱبنِ الله، لكي تطيعوا الأُسقف، ولفيفَ مجمعهِ على ترابطٍ لن بتفكَّكَ، كاسرينَ خبزًا واحدًا دواءَ بقاءٍ، ترياقًا لئَلَّا تموتوا بل تُحيَوا في يسوعَ المسيحِ إِلى الأَبد.
إِني لفديةٌ عنكم، إِكرامًا لله، أَنتم والَّذينَ أَرسلتموهم إِلى إِزمير من حيثُ كتبتُ إِليكم، أَحمدُ الرَّبَّ وأُحبُّ بوليكربوس وأُحبُّكم أَنتم. أُذكروني كما يذكُركم يسوعُ المسيح. صلُّوا لأَجلِ الكنيسةِ السُّوريَّةِ من حيثُ ٱقتدتُ موثقًا إِلى روما، فلكوني حثالةَ المؤِمنينَ هناك، قُضيَ لي بأَنِّي أَهلٌ لأَن أَخدِمَ إِكرامًا لله. كونوا معافينَ في اللهِ الآبِ وفي يسوعَ المسيحِ رجائِنا المشترك.
الرّسالة: عب 10: 19-25
تحريض أخير: دعوة إلى الثّقة
19 إذًا، أيّها الإخوة، فبما أنّ لنا ثقةً بٱلدّخولِ إلى قدسِ الأقداسِ بدمِ يسوع،
20 وقد دشّنَ لنا طريقًا جديدًا حيًّا من خلال الحجاب، أي جسده،
21 وبما أنّ لنا كاهنًا عظيمًا على بيتِ الله،
22 فلنتقدّم بقلبٍ صادق، في ملءِ يقينِ الإيمان، وقلوبنا مُطهَّرةٌ من كلّ ضميرٍ خبيث، وأجسادنا مغسولةٌ بماءٍ طاهر،
23 ولنتمسّكْ بٱﮕعترافِ بالرّجاءِ ﭐعترافًا لا يتزعزع، لأنّ الّذي وعدَ أمين،
24 ولننتبهْ بعضُنا لبعضٍ بٱلحضّ على المحبّةِ والأعمالِ الصّالحة.
25 ولا نُهملِ ٱجتماعنا المُشترك، كعادةٍ بعضٍ منّا، بل لنُشجّعْ عليه أكثر فأكثر، بمقدارِ ما ترونَ يومَ الربّ يقترب.
شرح آيات الرّسالة:
19-39 ينهي الكاتب القسم الثّالث من الرّسالة بتحريض كما بدأه (5/11-6/20)؛ وطابع رسالته إنّما هو التّحريض والتّشجيع (13/22؛ 2/1-5؛ 3/7-4/14)، النّابع من حقيقة الإيمان والعقيدة المسيحيّة. ويرى شُرّاح تقسيم الآيات (19-39) إلى أربعة مقاطع: دعوة إلى الثّقة (19-25)؛ تحذير من الخطأ العَمْديّ (26-31)؛ تحذير من فقدان الثّقة (32-35)؛ دعوة إلى الثّبات (36-39).
19-25 دعوة إلى الثّقة. تذكير بثلاث نقاط من التّعليم الإيمانيّ السّابق: لقد أُعطينا حقّ الدّخول إلى أقداس السّماء بفضل ذبيحة يسوع (19)؛ صار جسد يسوع الذّبيح والممجَّد طريقنا الجديد الحيّ إلى الله (20)؛ أصبح يسوع عظيم أحبارنا الوسيط الأوحد (21). ثمّ تطبيق عمليّ بأربع نقاط: إقبال على الإيمان بقلب صادق طاهر (22)؛ التّشبُّث بٱلرّجاء (23)؛ التّنشيط على المحبّة والأعمال الصّالحة (24)؛ التّشجيع على الحياة المسيحيّة المشتركة، ﭐستعدادًا ليوم الرّبّ الآتي (25).
19 عب 4/16؛ 6/19-20؛ 9/8، 11-12؛ يو 14/6.
20 عب 6/19.
بٱلحجاب أي جسده: كان الحجاب يفصل القدس عن قدس الأقداس، لا يجتازه إلّا الحبر الأعظم، مرّة واحدة في السّنة، يوم التّكفير والغفران، حاملًا دمّ الذّبائح. أمّا يسوع فقد ﭐجتاز حجاب الموت، بموته وذبيحته على الصّليب، ثمّ بقيامته وتمجيده عن يمين الآب، فدشّن للمؤمنين طريقًا جديدًا حيًّا إلى أقداس السّماء، إلى الله. رأى شُرّاح أنّ "الجسد"، حرفيًّا "اللّحم"، يعني بشريّة يسوع التّاريخيّة، إبن الله المتأنس، وهو حجاب يفصل الإنسان عن الله؛ لٰكنّ الحجاب كان أيضًا الطّريق إلى قدس الأقداس. كذٰلك بشريّة يسوع، وخصوصًا المذبوحة والمقرّبة على الصّليب، ثمّ الممجّدة بٱلرّوح القدس. وهٰذا ما أشار إليه الإنجيليّون (متّى 27/51؛ مر 15/38؛ لو 23/45).
21 عب 3/1، 6؛ 4/14-15؛ زك 6/11-12.
راجع شرح 3/3، و"البيت" لا يعني الكنيسة، على الأرض، فحسب، بل في السّماء أيضًا، حيث يقوم المسيح بدوره الكهنوتيّ الوسيط (9/25).
22 عب 4/16؛ حز 36/25؛ أف 5/26؛ روم 6/4؛ 1 بط 3/21؛ 2 قور 7/1.
تشديد على الإيمان، يعيشه المؤمن ﭐنطلاقًا من معموديّته الّتي هي نقاء ضمير داخليّ، وغسل جسد خارجيّ معًا.
23 عب 4/14؛ 11/11؛ 1 قور 1/9.
تشديد على اﮕعتراف بٱلرّجاء المسيحيّ الخلاصيّ الرّاسخ على أمانة الله لوعده المقدّس.
24 تشديد على المحبّة المتجسّدة في أعمال صالحة (13/1-3).
26 عب 3/13؛ 2 قور 1/8.
إجتماعنا المشترك: إشارة إلى اجتماع الطّقسيّ اسبوعي، وهو سانحة فريدة للتّنشيط والتّشجيع، في قلب جماعة كاد يغلب عليها الخوف والسّأم واضطراب، علامات تسبق مجيء الرّبّ الآخِر (2 تس 2/1).
اليوم يقترب: هو يوم الرّبّ، الّذي يرى فيه الأنبياء تدخّلًا من الله مباشرًا في تاريخ البشر (آش 2/12؛ يؤ 1/15-2/11؛ صف 1/14-18؛ ملا 3/19-21). إنّ هٰذا اليوم ليقترب (حز 7/10-12؛ عب 3/13؛ 4/7؛ 1 قور 1/8؛ 1 تس 5/2)!
الإنجيل
يو 17: 9-13
9 أنا من أجلهم أسأل، لا أسألُ من أجلِ العالم، بل من أجلِ الّذينَ وهبتهم لي، لأنّهم لكَ.
10 وكلُّ ما هو لي، هو لكَ، وما هو لكَ، هو لي، ولقد مُجّدتُ فيهم.
11 أنا لستُ بعدُ في العالم، وهم لا يزالونَ في العالم، وأنا آتي إليك. يا أبتِ القدّوس، إحفظهم بٱسمكَ الّذي وهبته لي، ليكونوا واحدًا كما نحنُ واحد.
12 لما كنتُ معهم كنتُ أحفظهم بٱسمكَ الّذي وهبتهُ لي.سهرتُ عليهم فلم يهلكْ منهم سوى ٱبنِ الهلاك، ليتمَّ الكتاب.
13 أمّا الآنَ فإنّي آتي إليك. وأتكلّمُ بهٰذا وأنا في العالم، ليكونَ فرحي مُكتملًا فيهم.
شرح آيات الإنجيل:
10 يو 16/15؛ لو 1/31؛ 2 تس 1/10.
11 يو 3/35؛ 13/1، 3؛ 16/28؛ 10/30؛ 17/21؛ غل 3/28؛ 1 بط 1/5.
الّذي وهبته لي: وفي مخطوطات "الّذين وهبتهم لي".
ليكونوا واحدًا كما نحن واحد: حرفيًّا "لكي يكونوا واحدًا"، وكذا في الآيتين (21، 22): الوحدة في المحبّة نتيجة الشّركة الكاملة بين الآب واﮕبن (21-23). ترجمة أخرى "لكي يتّحدوا وحدتنا".
12 يو /39؛ 10/28؛ 13/18، 19؛ 18/9؛ مز 41/9؛ 109/4-8؛ رسل 1/16، 20؛ 2 تس 2/3
ليتمّ الكتاب: حرفيًّا "ليتمّ ما جاء في الكتاب". ترجمة أخرى "وتمّ ما جاء في الكتاب".
ﭐبن الهلاك: هو المسيح الدّجّال في الأصل (2 تس 2/3)، أو ٱبن جهنّم (متّى 23/15)، ويقصد به هنا يهوذا الّذي أسلم يسوع (13/18؛ 6/70؛ 13/2، 27، 30).
14 يو 15/11؛ 1 يو 1/4.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.