أياً تكن نتائج تصويت اللبنانيين لمغارة جعيتا في 11/11/2011، أي بعد غد، وسواء تمكنوا من الفوز بإحدى عجائب الدنيا السبع او أخفقوا في تثبيتها، سيسجل اللبنانيون سابقة تاريخية مزدوجة في تحقيق رقم قياسي غير مسبوق في التصويت أولاً وتالياً في إجماع لا تشوبه شائبة على شأن حضاري وسياحي وتراثي.
وربما ببعض المبالغة او الافراط في التطلعات والآمال تشكل هذه السابقة، وفي حالتي الفوز او الاخفاق سواء بسواء، تدريباً جماعياً غير مسبوق أيضاً على تحديث الديموقراطية اللبنانية المتهالكة والمتآكلة والهرمة، شأنها شأن الهيكل الانتخابي التقليدي والسياسة الممانعة في شد الناس الى الوراء والماضي والتحجير على اللبنانيين في أقفاص يعلكون معها يوميات هذا العبث المتمادي في نبش القبور والعيش على فتاته.
صوّت اللبنانيون طوعاً هذه المرة بالملايين على الارجح، من دون منّة أحد ومن دون أي ضغوط او مغريات او ظروف محفّزة الا إرادة التعبير الحرة، لأن الصوت الالكتروني لا يمثل الحداثة الاقتراعية فحسب بل لأنه شكّل بالنسبة إليهم أسرع الطرق وأكثرها سهولة في صنع نتيجة لبنانية خالصة لشأن جمالي حضاري يفتقدونه بقوة في عبث السياسات المتوارثة والمملة.
ومن يدري ماذا يمكن تجربة كهذه ان تتركه من مراس جماعي في الإقبال على تحكيم الصوت الفردي، حتى في صناديق الاقتراع التقليدية، في إعادة الثقة الى المواطن الفرد الذي جرى مسخه تكراراً كلما اعتبر أداة لرفع الزعامات او لتطويب سياسات او للانقلاب على انتخابات.
تدريب شبه مجاني على ديموقراطية حديثة لن يكون تطوراً عابراً ويمر. ويجب ألا يمر كذلك مع ان "دولة" لبنان النظرية لا تتمتع بالقدر النادر من الاستشراف الرؤيوي لتوظيف هذا التطور. ذلك ان هذه الدولة لا تجرؤ، وهي لم تجرؤ يوماً، على تعميم ثقافة الاستطلاعات والاستفتاءات الحقيقية لأنها لا تقوى على الوقوف أمام المرآة ومعاينة الواقع كما هو. هذه البلاد لا تجرؤ منذ ما يقرب القرن على إجراء استفتاء سكاني، فكيف يمكن "الانزلاق" بها الى استفتاءات حرة مثلاً على شؤون مصيرية في السيادة والاستقلال والنظام السياسي والنظام الانتخابي والاقتصاد والتنمية؟
بل كيف يمكن تصور استفتاء ساخن حار على الثورات العربية وموقع لبنان منها؟
ولكنها سابقة وحصلت، وحتماً ستنجح مهما تكن نتيجة الاستفتاء لمغارة جعيتا، ولو كان الموضوع لا يمت الى السياسة والطوائف والقوى الحزبية والزعامات والاصطفافات بأي صلة. تصويت حر طوعي لملايين من أبناء الـ18 طائفة في لبنان والمغتربات. من قال إنه لا يرقى الى ما يضاهي الأعجوبة في هذا الانحدار والهبوط اللذين يغرقان لبنان بالعتمة والاسفاف؟