لا يمضي يوم على لبنان من دون سجال عصبي وممل حول "حوار وطني" انقطع منذ زمن وتتعذر إعادة وصله. أولاً، لأن جولاته الأخيرة انعقدت تحت سقف حظر البحث في السلاح غير الشرعي. ثانياً، لأن الشأن "الوطني" فيه وضع تحت سقف المصالح السورية والايرانية التي يعتبرها فريق من اللبنانيين – ومن الدولة والجيش – متقدمة على المصلحة الوطنية اللبنانية. وثالثاً، لأن اطراف الحكم والحكومة التي تدّعي الحياد أطاحت وسطيتها وخضعت للترهيب السوري – والايراني، وللأمر الواقع الذي فرضه، ولم تعد مؤهلة لقيادة اي حوار… وما دام الجميع يعرف ان البلد يعيش وضعاً شاذاً، وان الارادة الوطنية مغيبة او مصادرة، فلا داعي لحوار هدفه تجميل هذا الوضع أو تطبيعه.
اذا كانت التوافقات التي أقرّت سابقاً في الحوار، ومنها التزام المحكمة الدولية الخاصة بالاغتيالات السياسية، قد نقضت، فلماذا الحوار؟ واذا كان الاتفاق على ترسيم الحدود وضبط السلاح الفلسطيني خارج المخيمات قد نسي وجرى تمييعه – لأنه يتعلق بارادة النظام السوري – فعلامَ الحوار؟ واذا كان فريق سياسي يريد ان يحكم بقوة السلاح، وبهذا السلاح أيضاً يعبث بالأكثرية والأقلية، وليس مستعداً لأي بحث في قانونية هذا السلاح وشرعيته، فكيف يكون حوار؟ واذا لم يستطع وليد جنبلاط، او سواه، مقاربة الأزمة السورية من دون ان يتعرض لردود أقرب الى التهديد منها الى مقارعة الحجة بالحجة، فعن أي حوار نتحدث؟
بلى، هناك حاجة الى الحوار. لكن الحوار الحقيقي المطلوب لا يقدر اي مسؤول أن يدعو اليه، لا رئيس الجمهورية بطوباويته، ولا رئيس المجلس بحنكته المنحازة، ولا رئيس الحكومة بكلامولوجيته الزئبقية. إنه حوار لتحديد مصلحة البلد خارج الاستقطابين السوري والايراني، لأن هذين النظامين لم يعودا ينتميان للمستقبل، وليس للبنان ان يرهن مستقبله بفجورهما وتوحشهما وتهورهما. اذا كان للحكم والحكومة، ولقوى الأكثرية والأقلية، ان يتحلّوا بالمسؤولية والجدية، فما عليهم سوى أن يفتحوا هذا الملف، على قاعدة الوطنية. اذ ان الواجب الملح هو توضيح الحد الفاصل بين خدمة مصالح الآخرين وخدمة مصلحة اللبنانيين.
مع تصاعد الحديث عن حرب على ايران، لا بدّ ان يتنبه الجميع الى أن الأمر يتعلق أيضاً، وخصوصاً، بحرب على لبنان. فالضربة الاسرائيلية الاولى لايران، اذا حصلت تعقبها الضربة الأولى من"حزب الله" على اسرائيل. هل من توافق لبناني على أن يكون البلد خط دفاع أول عن ايران، أم ان المغلوبين على أمرهم في الحكم والحكومة ارتضوا هذه الوظيفة للبنان وأخفوا ذلك عن الشعب؟
ومع تكرار الانتهاكات والاعتداءات على مواطنين سوريين في لبنان، وتكريس التواطؤ الرسمي مع النظام السوري، سمعنا إقراراً من رئيس الحكومة ما لبث ان حوّله تبرؤاً مما حصل قبل أن يتبوأ منصبه، وماذا عن حوادث حصلت خلال حكمه. انه لا يدري. سمعنا ايضاً تبريرات مردّها الى اتفاقات ومعاهدات مع سوريا ولا تنفذ إلا من جانب واحد. أي حوار جدي وسؤال ينبغي ان يعيد النظر في هذه الاتفاقات أو يجمد العمل بها.