من رومانسية “العبور إلى الدولة” إلى واقعية “العبور إلى المجتمع”

ما عادَ "النقد الذاتيّ" وحده هو المطلوب من لفيف الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ. أكثر من ذلك، يحتاج هذا اللفيف إلى أن "يتجاوز نفسه". النقد الذاتيّ حتى في لحظاته الأكثر حيويّة وإحراجاً وجرأة واستنهاضاً للهمّة يظلّ أسير الإكتفاء بالمقايسة بين الأهداف المبدئية لـ"ثورة الأرز" عام 2005 وبين الوسائل المعتمدة لتحقيق الأهداف ومنسوب تحقّقها في مجرى الواقع. وإذا ما قُدّر للنقد الذاتيّ أن يتفلّت من المحليّة الضيّقة، فإنّه لا يلبث أن يصير أسير عقدة "التماشي" مع المخاض العربيّ الكبير لعام 2011.

لكنّ ما يحتاجه الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ هو أبعد من ذلك. يحتاج بادئ ذي بدء للإقلاع عن النظرة الرومانسيّة سواء للربيع اللبنانيّ الأوّل لعام 2005، أو للربيع العربيّ الكبير لعام 2011، أو للربيع اللبنانيّ الثاني الذي لا بدّ أن يأتي، متأثّراً بالحيويّة النضاليّة العربية.

والإقلاع عن النظرة الرومانسيّة، أي إعادة الإعتبار لـ"النثر المبدِع" في السياسة على حساب "الشعر المجترّ"، لا يكون إلا بالإستعداد للإعتراف بالمستويّات المتشّعبة والمتفاوتة للتعدّدية الإجتماعية والإثنية والدينية، وضبط "التصوّف المطلق" حول مفهوم "الدولة"، باعتبارها "حلالة المشاكل جميعها" التي نفتقد إليها، وجنّة أرضية ستهبط علينا لا نعرف من أين. وفي هذا مكابرة على أنّنا نملك بالفعل دولة (لبنانياً أو عربياً) وإن كانت متخلّعة أو مهترئة أو ضامرة (فبعض التمييز بين مفهوم "الدولة" ومفهوم "النظام" صار اعتباطياً)، لكن ما لا نملكه بالفعل هو المجتمع، ذلك أنّ المجتمع ليسَ مفهوماً تلقائياً يمكن خلعه على أيّ قوم من الأقوام، بل هو في أقل تقدير صياغة للتعدّدية بشكل تصير فيه قابلة للعيش والتجدّد، وبشكل يصير العيش ضمنها مقبولاً ومطلوباً. وإذا كان الشيء بالشيء يُقارَن لوجب الإنتقال من شعار 14 آذار لعام 2009 "العبور إلى الدولة" إلى شعار "العبور إلى المجتمع" بوصفه عنواناً مزدوجاً للإشكاليتين اللبنانية والعربية في إطار المخاض الحيويّ الذي نعيشه إقليميّاً، والإنكماش المريع الذي نقاسيه محليّاً.

لقد منعت النظرة الرومانسية الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ عام 2005 من الإقرار بحدّة الإنقسام في المجتمع اللبنانيّ، وبالتاليّ من التداول السليم لـ"المسألة الشيعيّة" بالتحديد، فعندما حلّ "العبور إلى الدولة" مكان "العبور إلى المجتمع" صارت النظرة إلى الطائفة الشيعية بالضرورة هي النظرة إليها كـ"طائفة مغرّر بها" أو كـ"طائفة مصادَرة"، فجرت بذلك المكابرة على التناقضات العميقة والظاهرة في آن والتي تعتمل في الجسم اللبناني المشظّى، وهي تناقضات تدور جلهّا حول منطق الغلبة والصراع على الغلبة، وحيث تتطوّر الدينامية المهيمنة داخل الطائفة الشيعيّة إلى دينامية "الطائفة المتغلّبة من موقع الدفاع عن النفس"، بكل مفارقات هذه الصيغة، والإرتدادات الإنشطارية لهكذا صيغة على الواقع اللبنانيّ أكثر مما هو منقسم على نفسه منذ عقود طويلة.

ثم جاءت النظرة الرومانسية إلى الربيع العربيّ، من طرف الإستقلاليين اللبنانيين ومعهم الكثير من الليبراليين العرب، لتتسرّع في التقليل من شأن الحركية الإسلامية في إطار الثورات الشعبية من تونس إلى مصر إلى ليبيا وسوريا واليمن والبحرين، كما لو كان إنخراط هذه الحركية في الثورات هو أمر ينبغي التبرؤ منه بدلاً من امتلاك القدرة والجرأة على الثناء عليه، دون المكابرة على تبعاته غير المريحة أبداً لقضية المرأة العربية وللتيّارات العلمانية والليبرالية والتقدميّة.

وبعد أن جاءت الإنتخابات التونسية بنتيجتها المعروفة، وفي إنتظار ما ستسفر عنه صناديق الإقتراع في مصر، فقد جرى الوقوع في المطبّ الآخر، أي الإندفاع من موقع "العقل الإعلاميّ" الذي لم يعد يبقي مسافة تذكر لـ"البعد النقديّ"، لتقديم "النموذج التركيّ" كإطار مسبق لتطوّر التيّارات الإسلاميّة العربية.

وهذا لا ينفي أنّ التأثّر بنموذج "العدالة والتنمية" التركي يترك أثر مهمّاً في التيّارات الإسلاميّة العربية، وبالذات تلك المتفرّعة عن المدرسة الإخوانية، إنّما من الضرورة أخذ مسافة نقدية من التجربة الإسلامية التركية أوّلاً، والوقوف على تناقضاتها ومفارقاتها والسياق القوميّ الخاص بها. ثم من الضرورة الإنتباه إلى الأثر الذي تركته "الكمالية" أو "العلمانية التركية" على الإسلاموية التركية (وكذلك كل التراكم الإصلاحيّ التجديدي في تركيا منذ الإصلاحات التنظيمات الرائدة في الدولة العثمانية وإلى اليوم)، والأثر الذي تركته "البورقيبية" أو "العلمانية التونسية" على "حركة النهضة" (ومعها التأثّر بعقلانية ابن خلدون كما هو باد في أعمال الفيلسوف الذي وضعته حركة النهضة على رأس قائمتها الإنتخابية، البروفسور أبو يعرب المرزوقي). وليس يمكن الحديث عمّا يعادل "الكمالية" و"البورقيبية" وأثرهما على الحركية الإسلامية في البلدان العربية الأخرى، ولا عن مركزية مسألة الأقليّات في بلدان المشرق العربيّ. إلا أنّه يمكن تسجيل أمرين يمكن التفاؤل حيالهما شرط اعتبارهما غير كافيين. الأوّل هو "الواقعية السياسية العملية" التي تقوّت بها المدرسة الأخوانية في مصر، والتي لا تفي الديموقراطية الحديثة إن لم تفهم ماهيتها كإطار ينطلق من المساواة القانونية والسياسية الكاملة بين المواطنين ليربط توسيع المشاركة السياسية بالتداول على السلطة من جهة وبمرجعية القانون الوضعيّ الأساسية وإن تكن غير الحصريّة. والأمر الثاني هو "الظمأ الشديد إلى الحريّة" لدى الإخوان المسلمين في سوريا بعد عقود من الإستبداد والطغيان، وهذا يمكن التعويل عليه أيضاً، إنّما لا يعوّل عليه لوحده.

وحدها المزاوجة بين الإنخراط العضويّ في الربيع العربيّ وبين العدول عن النظرة الرومانسية إليه، يمكن أن تكفل للحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ نظرة جديدة ترتد إيجاباً كنظرة تتجاوز ست سنوات من "النظرة الرومانسية الإعلاميّة" للربيع اللبنانيّ، إلى حيث افتتاح النقاش حول شروط الربيع اللبنانيّ الثانيّ.. ربيع "العبور إلى المجتمع".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل