يُفترض بحكم المنطق الصحيح، أن يكون الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب يوم السبت المقبل في شأن الوضع السوري، موازياً للتوقّعات، ومتناغماً مع المناخ العربي العام الذي ضاق ذرعاً وصدراً وخلقاً وضميراً بالإبهام وسياسة التردّد والانتظار والأعذار.
وهناك، على ما يمكن للريح أن تحمله من مقوّمات ذلك المناخ، تبرّم أكيد من ذلك الوضع غير المفهوم تماماً إزاء التعامل الرسمي مع الوضع السوري. وكثيرون تذهب بهم محاولات التفسير إلى أماكن غير مأنوسة، فيها من الاسئلة أكثر من الأجوبة، وفيها بعد ذلك هواجس منطقية (خلافاً لطبيعة تلك الآفة الآتية من قلّة العقل وانعدام اليقين).
وتلك الهواجس.. مجدّداً، المخالفة حكماً للعقل، إن اعتدل ميزانه، صادرة عن غياب تفسير يُقنع السوريين الهابّين في وجه النظام منذ منتصف آذار الماضي، ومعهم ذلك المناخ العربي العام الهادر بتطلعاته وتوقعاته وعواطفه، بمعنى سياسة منح السلطة مهلة تلو أخرى خلافاً لما كان الأمر عليه في شأن ما سبق وسلف من مواقف إزاء ليبيا وغيرها!.. مهلة لا تفسرها آلة تلك السلطة إلاّ باعتبارها رخصة مفتوحة للقتل!
لا أحد كان يتوقّع عملاً عربياً كبيراً يُجبر سلطة دمشق على وقف آلة القمع والقتل عند حدّها. ولا أحد أيضاً كان ينتظر هدير قرارات عقابية حاسمة لا قدرة عملياً وفعلياً على اتخاذها أو على ترجمتها إن اتخذت، لكن سلاح الموقف (المستعار من أدبيّات حروب لبنان) كان يمكن له أن يؤثّر إلى حد بعيد في تبيان مخاطر السياسة المعتمدة من سلطة دمشق على تلك السلطة.. وكان يمكن قبل ذلك وفوقه وتحته تفعيل المواقف السياسية باتجاهات حاسمة في وضوحها، تماماً كما فعل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في ندائه الشهير في آب الماضي.. إذ ربما يكون ذلك جزءاً متمّماً لمظلّة تُشلَح فوق شعب سوريا وتمنحه شيئاً من الأمان المعنوي والسياسي، فلا يبقى يصرخ في وديان مواجهة النظام، داعياً الله إلى نصرته وهو خير نصير.
يوم السبت المقبل، سيرفع الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة مفعول الغطاء الشرعي الرسمي عن السلطات السورية.. سيجمّد مشاركتها في اجتماعاته، ولن يذهب إلى أبعد من ذلك بحكم متاهات الواقع العربي الراهن. لكنه بموقفه ذاك سيفتح كوّة واسعة في جدار الصمت الذي تستفيد منه سلطة الأسد حتى آخر حجر فيه. وتلك الكوّة ستسمح بتوسيع نطاق الفعل المضاد لتلك السلطة، وستدخل الوضع السوري في مجمله إلى مرحلة جديدة.
لا أحد يتوقع شيئاً مغايراً لأحكام الواقع، خصوصاً وأنّ المبادرة العربية أسقطها الأسد قبل أن يجفّ حبرها، لكن كثيرين يتوقّعون أن تكون الخطوة العربية المنتظرة متلائمة مع ذلك الواقع الذي يقول في ختامه إنّ السلطة في دمشق صارت بعيدة عنه، بُعد الواهمين والمهجوسين عن أهل اليقين!