لم تعد مسألة إسقاط الحكومة أو استقالة رئيسها مرتبطة حصراً برفضها تمويل المحكمة الدوليّة، باعتبار أنّ هذا الرفض سيجرّ الويلات على لبنان، خصوصا أنّ التحذيرات الدوليّة المتكرّرة ليست من باب التهويل، والدليل العقوبات الاقتصادية على أكثر من دولة لمجرّد عدم تنفيذها القرارات الدوليّة، ولبنان لا يحتمل أيّة عقوبات تؤدّي إلى مزيد من الانهيارات الماليّة والاقتصادية.
فعلى أهمّية المحكمة والتزام لبنان بتعهّداته، وبمعزل عن الخيار الذي سيعتمده الرئيس نجيب ميقاتي بالاستقالة أو عدمها عندما يحين أوان التمويل، تحوّل إسقاط الحكومة إلى أولويّة للأسباب الآتية:
أوّلاً، إذا كانت الحكومة عاجزة عن وضع حدّ للفلتان الأمني المستشري من عمليّات الخطف المتواصلة إلى الاختراقات السوريّة المتكرّرة للحدود، وما بينهما تمدّد البؤر الأمنيّة لـ"حزب الله"، فمن الأفضل الاستغناء عن خدماتها كي لا تشكّل غطاء لهذه الممارسات، وبالتالي كشف هذه المجموعات عبر وضعها وجهاً لوجه في مواجهة الرأي العام المحلّي والعربي والدولي.
ثانيا، إذا كان أحد أبرز إنجازات "انتفاضة الاستقلال" استعادة لبنان قراره الخارجي المُصادر من قبل سوريا، فإنّ هذه الحكومة أعادت ربط السياسة الخارجية اللبنانية بالسياسة الخارجية السوريّة، ولكن الفارق بين المحطّتين، أي قبل العام 2005 وبعد العام 2011، هو أنّ الالتصاق بسوريا باتت كلفته باهظة جدّا على لبنان، لأنّ المجتمع الدوليّ الذي سحب التكليف من نظام الأسد بإدارة لبنان سحب منه مؤخّرا التكليف في إدارة سوريا.
ثالثا، إذا كان الحوار الوطني قبل تشكيل الحكومة الميقاتية توقّف على عنوان الاستراتيجية الدفاعية، فإنّ الملفّات الساخنة بعد تشكيلها تجاوزت السلاح غير الشرعي لـ"حزب الله" إلى إسقاط المحكمة الدوليّة وعودة البلاد مسرحا للميليشيات، ما أعاد لبنان إلى زمن شبيه بالحرب الأهليّة.
رابعا، إذا كانت الحكومة عاجزة عن متابعة الأمور البديهية من اقتصادية واجتماعية، والدليل رفض مجلس شورى الدولة مشروع زيادة الأجور، كونه أقِرّ بشكل متّسرع ومن دون دراسة مستفيضة، فمن الأفضل لهذه الحكومة الرحيل.
خامسا، إذا كان إخراج الجيش السوري من لبنان مكّن اللبنانيّين من استعادة جزء من قرارهم الحرّ، فإنّ سقوط النظام السوري يفترض أن يمكّنهم من استعادة كامل هذا القرار، غير أنّه غنيّ عن القول أنّ "حزب الله" يحاول التعويض في لبنان ما قد يخسره في دمشق، وخطّته تتراوح بين حدّي السيطرة التامّة على كلّ مفاصل البلد وبين تحسين شروط التفاوض على المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يعتقد الحزب أنّ باستطاعته إبقاء لبنان، بعد سقوط الأسد، تحت سيطرته انطلاقا من الاعتبارات الآتية:
1 – الحرص الدولي على استقرار لبنان في مرحلة تثبيت الاستقرار في سوريا، وبالتالي إبقاء القديم على قدمه في بيروت، في ظلّ غياب أيّ مصلحة في فتح مواجهة مع الحزب تقوّض الاستقرار اللبناني.
2 – الحرص الروسي على عدم مَلء الفراغ الذي يترتّب على سقوط الأسد من قِبل قوى إقليميّة تشكّل تهديدا لمصالحها في الشرق الأوسط، وفي حال عجزها عن تعبئة هذا الفراغ ستكون أولويّتها الدفاع عن "حزب الله" باعتباره آخر "حصن" لها في هذه المنطقة، وما زيارة الحزب إلى روسيا إلّا تأكيد على استعداد الحزب للعب هذا الدور، أي تأمين مصالح روسيا على البحر الأبيض المتوسط.
3 – الحرص السوريّ، أو القيادة السوريّة الجديدة بعد رحيل الأسد، على عدم اتّخاذ أيّ قرارات أو توجّهات تستفزّ الحزب نظراً لإدراكها قدرته على تفجير الأوضاع في سوريا، وبالتالي ستعمد إلى مهادنته. وثمّة من يحلو له تشبيه وضع سوريا بعد الأسد بوضع مصر بعد مبارك، والتي تمايزت مواقفها من إيران عن مواقف "مجلس التعاون الخليجي"، في محاولة لإبعاد "شرّها" في هذه المرحلة الانتقاليّة.
تأسيساً على ما تقدّم، وبمعزل عمّا إذا كانت قراءة الحزب للتطوّرات المقبلة مجرّد رغبات وتمنّيات أو أوهام وأضغاث أحلام، فإنّ إسقاط الحكومة بات يشكّل أولويّة لجملة أسباب أهمّها:
أ- إسقاط مظلّة "الشرعية اللبنانية" عن الحزب التي استظلّها بالطريقة الانقلابيّة المعلومة، بغية عزله وجعله في مواجهة مباشرة مع المحكمة الدوليّة، ومنعه من استكمال إطباقه على مفاصل الدولة اللبنانية.
ب- إسقاط ورقة التفاوض (الحكومة) من الحزب التي سيستخدمها تدعيماً لموقعه التفاوضيّ بعد سقوط الأسد.
ج- الدفع باتّجاه أن يشكّل سقوط النظام السوري مدخلا لسقوط منظومته في لبنان، لا تثبيت هذه المنظومة خِلافا للطبيعة واتّجاه التاريخ.
د- الدفع باتّجاه أن يشكل سقوط النظام السوريّ مدخلا للسلام في لبنان وعودة الحياة إلى طبيعتها واستعادة الدولة سيادتها ومقوّمات وجودها.
