تتّجه الأنظار الى القرار الذي ستتّخذه الجامعة العربية السبت المقبل ردّاً على فشل مبادرتها في سوريا. وبدت المهلة التي حدّدتها الجامعة بأسبوعين لوقف العنف مجرّد هدنة في سياق حرب طويلة. ويعتقد بعض المتابعين أنّ القادة العرب ذوي التأثير في الملفّ، وفي مقدّمهم السعودي والقطري، كانوا يدركون مسبقاً أن لا نتيجة إيجابية متوقّعة من المبادرة. لكنّهم أرادوها معبراً لا بدّ منه للدخول الى إجراءات تحسم الوضع.
وفي رأي مصدر ديبلوماسيّ عربيّ في بيروت أنّ الجامعة العربية أمام خيارين: إمّا أن تأخذ الملفّ السوريّ على عاتقها، فتتصدّى له مع كامل ما يستدعيه ذلك من تحدّيات، وإمّا أن تخلي الملفّ من يدها ليتحوّل الى المستوى الدولي. وفي الخيار الثاني، من الطبيعي أن يقوم مجلس الأمن الدولي بما يمليه عليه نظامه في حماية المدنيّين والأمن والسلام الدوليّين. لكن لجوء روسيا والصين الى "الفيتو" ضدّ أيّ قرار بالعقوبات على سوريا يؤخّر التدخّل الدولي الى حدود معيّنة. وقد لا ينخرط هذان الطرفان في مسار العقوبات إلّا في مرحلة متأخّرة جدّا، وبعد دخول الأزمة السوريّة مرحلة شديدة الخطر على سوريا وسائر الدول المجاورة لها، وبعد أن تتبيّن عزلة النظام السوريّ عن إطاره العربي. ومن هنا تضطلع الجامعة بدور أساسيّ في محاولة تقديم "تسوية تمهيديّة" سواء كانت لها حظوظ في الحياة أم لا.
سلّة عقوبات… لكنّها لا تكفي!
لكنّ فشل هذه التسوية هو أمر واضح، حتى للذين يطرحونها. ولذلك هم يعتقدون أنّه سيبرّر تدخّل مجلس الأمن الدولي، وسيزيد من القابلية لـ"اقتناع" روسيا والصين في سلوك مسار العقوبات على النظام، عِلماً أنّ موسكو كانت دعمت المبادرة العربية. ويعتقد المصدر أنّ هناك سلّة عقوبات ستتدرّج الجامعة في اللجوء إليها ضدّ نظام الرئيس بشّار الأسد، بدءاً من اللقاء على مستوى مجلس الجامعة في القاهرة، السبت المقبل. وهذه الإجراءات هي:
1 – تعليق عضويّة سوريا في الجامعة. وهذا التوجّه يلتقي مع بدء تنامي الاعتراف العربي بالمجلس الوطني السوري كمحاور باسم سوريا.
2 – البحث جدّياً في إرسال مراقبين عرب إلى سوريا، بهدف تزويد الجامعة بتقارير عمّا يحصل من تجاوزات تستهدف المدنيّين، تمهيداً لإجراءات تكفل حمايتهم. وهذا الطرح كان قد رفضه المفاوضون السوريّون في لقاءاتهم الأخيرة مع وفد الجامعة العربيّة.
3 – تأليف لجنة تحقيق عربية بالارتكابات التي شهدتها سوريا في الأشهر الثمانية الأخيرة.
4 – العمل على دفع الرئيس الأسد الى التخلّي عن السلطة لحكومة انتقالية تتولّى تنظيم انتخابات ديموقراطية تنتج حكومة جديدة.
لا شيء يخسره
إلّا أنّ هذه الطروحات تصطدم بمواجهة صلبة في الداخل السوريّ. فالنظام يعتبر أنّ المطلوب منه هو الانتحار. ولذلك هو يلعب كلّ أوراقه "صولد". ولا شيء عند النظام يخسره، سواء دخل في العمليّة التسويّة أم لا. ومن هنا تهديده بالسيناريو "الشمشوني" بإحراق المنطقة.
ويعتقد المصدر أنّ الجامعة العربية ستكون عاجزة عن مواكبة التحدّيات الخطرة التي تقترب منها سوريا. وليس في إمكان الجامعة وقف الانزلاق الى الكارثة إلّا من خلال عمل عسكريّ عربيّ مشترك، أي قوات ردع عربية في سوريا. وهذا الخيار صعب لعدم وجود آليات تفاهم عربي حوله، إضافة إلى أنّ قرارات الجامعة العربية غير ملزمة لأعضائها الذين لم يصوّتوا على هذه القرارات. فهي ملزمة مثلاًّ حين يرفع طرفان عربيّان متصارعان طلباً إلى مجلس الجامعة لحلّ الخلاف بينهما، فتكون القرارات في هذا الشأن ملزمة لهما.
حين تمّ "ردع" الثور الأبيض
لكنّ المفارقة تكمن في أنّ النظام السوريّ عينه هو الذي شجّع في مؤتمر القاهرة في تشرين الأوّل 1976 على تشكيل قوّات عربيّة للتدخّل في لبنان، بعدما كانت الجامعة أقرّت تشكيل قوّة أمنيّة رمزيّة في حزيران من العام نفسه. وتحوّلت هذه القوّة العربية المختلطة الى قوّات ردع عربية، تضمّ 30 ألف رجل، منهم 22 ألف جنديّ سوري. ثمّ أصبحت هذه القوّات سوريّة بالكامل. والمفارقة أيضاً تكمن في أنّ دمشق التي كانت بدأت إدخال قوّاتها الى لبنان قبل عام، أكّدت في حضور رئيس وزراء موسكو أليكسي كوسيغين أنّ دخولها "موقّت". لكنّ هذه القوات استقرّت في لبنان وسيطرت على قراره وأمنه واقتصاده حتى العام 2005، عندما خرجت بقرار من مجلس الأمن الدوليّ لا مجلس الجامعة العربيّة!
وكانت حجّة التدخّل العسكري في لبنان هي أنّ الوضع فيه ينحو الى الحرب الأهليّة والتقسيم، ما يهدّد المنطقة بأسرها. وهذا العنوان هو نفسه يصلح اليوم لتوصيف الأزمة في سوريا، باعتراف رئيسها لا سواه. لكنّ سوريا المهدَّدة بالذهاب في اتّجاه "اللبننة"، يرفض نظامها ما كان يُسوِّقه من وصفات للحالة اللبنانيّة.
وسيؤدّي العقم في النظام العربي، الذي هو في الأساس نظام للأنظمة لا للشعوب، إلى حتميّة إمساك المجتمع الدولي مباشرة بالملفّ السوريّ، على رغم التردّد الظاهر حتى اليوم من جانب القوى الدوليّة. وسيكون ذلك التدخّل مشابهاً لما جرى في الملفّ الليبي، مع الاختلاف الواضح في ظروف البلدين والنظامين، والمعطيات الاستراتيجية التي تتحكّم بكلّ منهما.
وقد يُقرُّ مجلس الجامعة العربية، في ظلّ الصعوبة البالغة في عقد قمّة طارئة، خطوات عقابيّة متدرّجة على سوريا. لكنّ حمّام الدم لن يتوقّف من دون تدخّل عسكريّ دوليّ مباشر. وعندئذً سيكون القادة العرب قد أراحوا أنفسهم من عناء المأزق مع النظام السوري، شقيقهم ورديفهم الذي لطالما عقدوا معه الصفقات والتسويات على "الثور الأبيض"، الذي هو لبنان، وغيره من "الثيران البيض".
فالنظام العربيّ الذي هو في الأساس مجرّد تواطؤ بين الحكّام على شعوبها، سيجد نفسه أمام استحقاق إبرام عَقْدٍ جديد يفرضه "الربيع العربي". وهذا يصحّ إذا ما نجح هذا "الربيع" في إثبات أنّه ربيع الشعوب لا الحكّام الجدد…