ما كانت ردّة فعل المجلس الوطني السوري على المبادرة العربية موافقةً ولا متفهمة· وقد كان البعض ينتظر أن يحاول المعارضون تكتيكياً على الأقلّ التظاهُر بقبول المبادرة لكي يستطيعوا تحميل النظام عواقب الفشل كما حصل بالفعل· ثم إن المبادرة العربية مهمّة لجهة أنها تخلُقُ مظلّةً للسوريين وللعرب الآخرين، بدلاً من الاستظلال بتركيا أو بفرنسا أو بالولايات المتحدة· فعندما يحضُرُ العرب يُحمى الشعب السوري من مخاطر النزاع الداخلي أو الإقليمي، و من مخاطر التدويل· ثم إن السبيل يصبح مفتوحاً لتصوّر المرحلة الانتقالية التي ترافق سقوط النظام أو تحوّله· إنما الذي حصل أن المعارضة اعتبرت المبادرة العربية متأخّرةً وغير حاسمة· لكن النظام ما استفاد منها أيضاً، بحيث صار السؤال: لماذا قبل أصلاً؟ فهو لم يتخذ منها فرصة لمهادنة شعبه على سبيل المثال، كما أنه ما استغلّها للإيهام بقبول التحوّل السلمي من طريق تخفيف العنف لأيام قليلة!
لقد استمرّت المذابح، واستمرّت معها بالرغم منها التظاهرات وأعمال الاحتجاج الصاخبة، وتكرّرت ردّات فعل الأميركيين والأوروبيين السلبية والمهدِّدة بزيادة العقوبات، وردّات فعل الأتراك المهدِّدة بالمجهول· ثم جاء استنكار الجامعة العربية ودعوتها لاجتماع اللجنة الوزارية المكلّفة الشأن السوري خلال أيام قليلة، والمنتظر أن تمضي الجامعة العربية بعدة اتجاهات: الإعلان عن سحب المبادرة لأن النظام السوري لم يفِ بوعوده، أو المضيّ قُدماً بتعليق عضوية سوريا بالجامعة والانتظار أسابيع للاعتراف بالمجلس الوطني بديلاً، أو الدعوة لفرض عقوبات على النظام والاتجاه إلى مجلس الأمن للمطالبة بحماية الشعب السوري·· الخ·
إن المهمّ الآن الوصول إلى يقين أن الشعب السوري ما عاد يستطيع الانتظار وسط المذابح والدمار، وأنه ما عاد التردّد ممكناً أو يقع التسليم بحقّ النظام السوري في أن يفعل بشعبه ما يشاء بحجة السيادة وعدم التدخّل في الشأن الداخلي· وإذا كان الأميركيون والأوروبيون يستطيعون الانتظار مع استمرار الاستنكار، فإن العرب شعوباً وحكومات ما عادوا يستطيعون ذلك أو لا تبقي فائدة من الاجتماع بالجامعة أو بدونها· لقد انتهت فترة الانتظار لنضج هذا الأمر أو ذاك، إذ أن النضج هذا كان على حساب الدم السوري، وكرامة الإنسان وحرياته·