ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أكثر عِبَر التاريخ خصوصاً القريب جداً… ولكن ما أقلّ من يعتبرون.
ولا يزال ماثلاً أمام الأبصار ذلك المشهد الذي يبدو فيه الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك يخاطب »شعبه« بأنّه لن يترشّح الى الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإنّ أياً من نجلَيْه لن يترشّح أيضاً لتلك الانتخابات، وكأنّه يطلب سماحاً من الشعب »الذي يحبّه« ليترك له الفرصة لمواصلة مهامه في الرئاسة حتى نهاية ولايته… ثم يكون لكل حادث حديث.
قال مبارك: »لن أترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة وسأكمل فترة ولايتي من أجل تأمين انتقال سلمي للسلطة«. وقال: »لم أكن يوماً طالب سلطة« (…) »وأقول بعبارة واضحة إني سأعمل خلال الأشهر المقبلة المتبقية من ولايتي لاتخاذ الإجراءات لتأمين الانتقال السلمي للسلطة« (…) »وأدعو البرلمان لتعديل المادتين 76 و77 من الدستور لاعتماد فترات محدّدة من الرئاسة… كما سأكلف جهاز الشرطة بحماية المواطنين بنزاهة وشرف وأمانة واحترام كامل لحقوقهم، وإني أطالب السلطات الرقابية بأن تتخذ ما يلزم من إجراءات لملاحقة الفاسدين والمتسبّبين بالانفلات الامني«.. (هذا قول مبارك حرفياً).
وماذا كانت النتيجة؟ ردّ الشعب من ميدان التحرير: ارحل.. ارحل… ارحل… حتى تناهت أصوات الجماهير الهادرة الى مسامع الذي كان يتكلم من قصر القبة في ذاك الأول من فبراير (شباط) 2011، أي بعد ستة أيام من انطلاق الثورة.
والباقي معروف… كما هو معروف أين يقبع مبارك اليوم وإبناه، وفي أي سجن.
فعلاً… ما أشبه اليوم بالبارحة.
وإذا كان رأس النظام لم يقلها بفمه فقد قالها بالنيابة عنه مفتي الديار أحمد بدر الدين حسون جازماً بأنّ الرئيس لن يترشح لولاية ثانية، وأنه سيوفر الهدوء، وأنه سيحقق الإصلاحات قبل أن يعود الى صفوف الشعب ليمارس المهنة التي تخصص بمجالها وهي طب العيون.
وهكذا لا بدّ لسلّم التنازلات من نهاية… هذه النهاية التي تقترب بخطوات سريعة كما بدا واضحاً في الأيام القليلة الماضية.
وهذا التراجع الذي جاء على لسان المفتي حسون بالنيابة عن رأس النظام ليس الأوّل ولن يكون الأخير، فقد سبقه رفض النظام رفضاً قاطعاً مبدأ الحوار خارج سوريا، والمقصود رفض الحوار في جامعة الدول العربية في القاهرة… ثم تمت الموافقة عليه. وكان سبق ذلك أيضاً رفض مبادرة الجامعة في حد ذاتها ثم قُبلت المبادرة. وتلاها رفضٌ لمحاورة معارضة الخارج ثم جرت الموافقة عليها…
والمسلسل محكومٌ بالتواصل الانحداري حتى النهاية المحتومة، ذلك أن عقارب ساعة التطوّر لا تعود الى الوراء.
وعلى الرغم من ذلك كله، لا تزال ثمة فرص أمام هذا النظام، وإن ضئيلة جداً. والمسافة الفاصلة عن نهاية المشهد تضعف وتضيق كل يوم.
فارحم العباد والبلاد… وارحل!